رأي | Opinion

استقدام العاملات المنزليات: تطبيع الظلم مجتمعيًا

الثلاثاء 07 نيسان 2015
jordan-house-workers

أسأل الله ألا أصبح غير مبالية بالظلم، إلا أدير خدي الآخر
– مرسيدس سوسا في أغنية «أسأل الله»

نستطيع أن نتفق على أن قدرة أي مجتمع على حماية وتمكين الفئات الأضعف والأقل حظًا فيه هي من علامات رقيّه وسعيه لتحقيق شيء من العدالة الاجتماعية الشاملة التي -غالبًا- ما تصبو إليها الشعوب.

بعد نقاش مع أحد أفراد عائلتي، وجدت نفسي في مواجهة حادة حول العمالة المنزلية أو «الخدم» وظروف استقدامهن وعملهن والأجور والميزات التي يتمتعون بها (أو بالأدق عدمها) والقوانين التي تنظم ذلك، والأهم هو التصالح الكامل مع حال تلك الشريحة من البشر الذين يعيشون بيننا بظروف لا تختلف كثيرًا عن تلك التي أخال أن العبيد كانوا -والبعض ما زالوا- يعيشون بها!

كعادة المشاكل المجتمعية، نجد أناسًا عاديين لا يدركون فداحة الكلفة الأخلاقية لانتفاعهم ومشاركتهم بمنظومة قامت لعقود بتسخير مئات الألوف من البشر لخدمة غيرها، ضمن شروط عمل غير إنسانية وأجور هزيلة، في ظل تنميط اجتماعي وتوليفة من القوانين والأنظمة والتعليمات الرسمية للحفاظ على ذلك التوازن غير العادل، تحت ذريعة تنظيم وحماية حقوق العاملات في المنازل، وإن كان الأردن يعد «استثناءً حميدًا» كما وصفته هيومن رايتس ووتش، عندما قارنت تشريعاته بتلك السارية في الدول المحيطة (أي أن النسبية الإقليمية تجعل من واقعنا التعيس «أفضل» بالمقارنة لا المضمون).

ضمن محاولتي للتخفيف من وطأة تأنيب الضمير المستمر لرؤية أقرب الناس إلي في حالة من التكيّف والتطبيع المرعب مع هذه المنظومة المسخ؛ سأقدم أهم تسعة نقاط تبيّن حقيقة الكلفة الإنسانية والظلم الذي نساهم في تكريسه:

400 دولار شهريًا ليس بالراتب الجيّد

هذا هو الحد الأدنى للرواتب المقر من قبل حكومة الفيلبين لرعاياها من العاملات المنزليات في الخارج، وبدون إدراجه في عقود العمل لا يمنحن إذنًا بالسفر، والواقع أن سلّم الرواتب ينحدر حتى يصل إلى ما دون الـ150 دولار حسب الجنسية والديانة والخبرة وبعض المواصفات الأخرى! بل أن قليلات جدًا من العاملات -بشكل رسمي- يحققن هذا الدخل البخس، فالتحايل على دفع هذا المبلغ هو الغالب وأحيانًا يبرر بموافقة المستخدم الذي لا حول له ولا قوة إلا بقبول أي شيء.

إن دولار ونصف بالساعة (على افتراض الالتزام بثمان ساعات عمل يومية، وهو أمر غير وارد في العمل المنزلي) لوظيفة تطلب جهدًا بدنيًا غير اعتيادي؛ يجعل العمل أقرب إلى السخرة.

ما مبرر ساعات العمل غير المحددة؟

إن ساعات العمل غير المحددة غالبًا، وهي من خصوصيات العمل المنزلي الذي لا يمكن معه تحديد ساعات العمل اليومي بقطعية كما في العمل خارج المنزل، تستلزم أجورًا أفضل مما يُرى كحد أدنى. فمن شأن الحياة المنزلية أن تمدد من ساعات الصباح الأولى وحتى الليل ويترتب على ذلك متطلبات التدبير المنزلي الشاق طوال اليوم.

لا دخل لك بما يمكن للعاملة أن تحققه بذلك الدخل في بلدها

لو كانت الأجور تحدد حسب جنسية المستخدم ومن أين أتى والقوة الشرائية ومعدلات التضخم في بلده؛ لانهارت أحد أهم روافد الدخل القومي الأردني وهي حوالات المغتربين وتحديدًا المقيمين في دول الخليج.

إن العوز الموجود في غالب البلدان «المصدّرة» للعمالة المنزلية دافع قوي للنسوة الأقل حظًا بتقبل المخاطرة والسفر إلى بلد بعيد بأجر زهيد وظروف عمل أشبه بالرق.

في الوثائقي التاريخي «قصّة الأشياء»، تتكلم منتجة الفيلم عن مفهوم «تصدير الكلفة» (externalization of cost)، أي أننا لا ندفع الكلفة الحقيقية أغلب المنتجات التي نشتريها، فالكلفة ستكون أعلى بكثير لو أن كل من ساهم في إنتاجها نال الأجر والقيمة العادلة لدوره في وصول المنتج إلينا.

قياسًا على ذلك، فإن كانت العاملات المنزليات محيمات من الاستغلال وزهد الأجور لما انتشر الاستقدام بهذا الشكل، فلن تجد سوق العمالة المنزلية في دولة إسكندنافية على سبيل المثال بحجم تلك السوق في بلادنا، لا لضعف الدخل بل لأن الحقوق محفوظة وأجور وظروق العمل مقننة (وغالبًا لأن حس المسؤولية الفردية أعلى من تلك المفقودة في مجتمعاتنا الأبوية الذكورية، ولكن هذا حديث آخر).

جواز السفر حق لا حق لك به

عندما أجادل بأن منظومة العمالة المنزلية الحالية هي عبودية مقنّعة، لا أجد دليلًا أفضل على ذلك من جريمة احتجاز جواز سفر العاملة المنزلية وتقييد حريتها.

لا يوجد أي خصوصية في العمل المنزلي تبرر انتهاك حق المرء بجواز سفره وحرية تنقله عند الرغبة، بل تؤدي غالبًا إلى مظلمة حقيقية في حال أساء صاحب العمل إلى مستخدمه وقصّر في حقوقه.

وكذلك حق امتلاك هاتف والولوج للإنترنت

مع أن السيطرة على ذلك أصبحت ضربًا من الخيال، لكن يكفي أن تعيش بتناقض استئمانك للعاملة على بيتك، وفي أحيان كثيرة أطفالك ومأكلك ومشربك، لكنك لا تثق بها إلى حد منعها من التواصل مع العالم الخارجي. فكّر بذلك في المرة القادمة التي تطلب منها أن تعد لك فنجان من القهوة.

العطلة الأسبوعية لا تعني فقط «يوم بدون عمل»

إذا كنت على رأس عملك، فأنت تدرك أهمية عطلة نهاية الأسبوعية لك ولعائلتك. تخيّل الآن كيف أن غالبية العاملات المنزليات يأتين بعقود أقلها سنتين، وغالبًا ما يضحين بعطلهن الأسبوعية خارج منزل مخدومهن (وحتى داخله) سواء، بمقابل مادي أو جورًا. تعاني هؤلاء النسوة من العوز، ومنهن من يتخلى عن أبسط الميزات بما في ذلك الإجازة كل سنتين مقابل الحصول على ما يعادلها نقدًا.

أحدى الأقارب، توفي زوج عاملتها المنزلية الذي كان يرعى طفليها، فعرضت عليها تذكرة ذهاب وإياب بدون مقابل لتدبير أمر أولادها أو العودة إلى بلدها نهائيًا إذا اقتضى الأمر. لكنها آثرت أن تطلب قيمة التذكرة نقدًا وترسله لأطفالها!

أن يعيش الإنسان إنسانيته بكرامة أمر لا يقدر بثمن، لذا، فحين يصل العوز إلى حد مقايضة ذلك بمقابل بمادي، سواء بطلب من المستخدم أو المخدوم، فغالبًا ما يكون الوزر على الطرف الأقوى.

من حق العاملة أن تخرج دون قيد أو تقنين في يوم عطلة ترضاه العائلة لنفسها ويحفظ للعاملة حقها في ممارسة ما تعتقد أنه الصحيح من معتقد وثقافة ضمن حدود قوانين البلد.

الإقامة في المنزل استحقاق لا منّة

البعض يبرر بخس الأجر بأن العاملة لا تدفع إيجار مقابل إقامتها، وهذه مغالطة تكشف عمق المشكلة، فكلفة الاستقدام ورسوم الإقامة وتذاكر السفر والمعيشة لا يمكن بشكل من الأشكال أن يتحملها الطرف الأضعف الذي يسخر نفسه وطاقته. بل هي على المستفيد ولا يمكن أن تقدر بقيمة مقاصة عليه.

الإفراط في حسن المعاملة لا يجمّل قبح التفريط في الحقوق

حسن المعاملة مرآة لك ولثقافتك والقيم التي تعتقد أنك تمثلها، لكنها بلا قيمة في ظل إهدار بالحقوق وانتهاك إنسانية المستخدم.

خلال تفشي العبودية في أمريكا، كان هناك من البيض من يحسنون التعامل مع «عبيدهم»، وكانو بعض هؤلاء يحبون ويتفانون في خدمة ملّاكهم، حتى أن السيدة هاريت تويمان الناشطة في محاربة الرق حينها قالت «لقد حررت ألف من العبيد وكنت لأحرر ألاف أخرى لو أنهم أدركو أنهم عبيد».

أخيرًا، تعاملك مع مكاتب الاستقدام الاستعباد مشاركة بالظلم

مع أن صيت هذه المكاتب والوكالات ذائع بسوء المعاملة والقسوة، إلا أن بعض أطيب الناس يرونه شرًا لا بد منه، وقد يلجؤون إلى «حسن المعاملة» كنوع من التكفير عن ذنب المشاركة في ظلم إنسان آخر بشكل منهجي من خلال تمويل لعملية الاستقدام تلك والانتفاع من خدماتها. وما أن يواجهوا مشكلة مع مستخدمتهم وإذ بهم يهددونها بإعادتها إلى المكتب كنوع من العقاب.

بمجرد أن نقرر النظر إلى هؤلاء النسوة باعتبارهن بشرًا متساويات في الحقوق والواجبات، سنرى أنهنتركن خلفهن من يحزن على فراقهن، ولهن آمال وطموح يتجاوز سقفها كونهن «خادمات» يمتهنّ العمل المنزلي الشاق، وأن اختيارهن لعمل شريف في بلد بعيد وبراتب زهيد لا يعني أنهن بضاعة يمكن تمويلها، تقدر أجرتها حسب «بلد المنشأ»، أو يتم التأمين ضد «هروبها» وكأنها أنعام لا عقل لها.

آن لهذا الجنون أن ينتهي.