للأسف، رسائلهم ليست مكاتيب

الثلاثاء 21 شباط 2017
مؤنس الرزاز يمينًا وإلياس فركوح يسارًا.

قبل أن أصل إلى قراءة كتاب إلياس فركوح «رسائلنا ليست مكاتيب»، الذي يقدم فيه رسائل قديمة من صديقه مؤنس الرزاز ويرد عليها حديثًا، كانت علاقتي مع مؤنس الرزاز قد بدأت عام 2012، عندما تعرفّت إلى صديقي نذير في معرض كتاب داخل الجامعة. لا أذكر تمامًا ما حصل قبل أن أستعير الكتاب منه، أو قبل أن يقترح هو إعارته لي. ربما كنت حدثته عن رغبتي بالقراءة لكتّاب أردنيين يتحدثون عن الأردن من خلال الرواية. وتكّمن المفارقة في الأمر أن الكتاب الذي استعرته كان رواية «اعترافات كاتم صوت» التي يتحدث فيها مؤنس، ولو بشكل مجازي، عن والده منيف والإقامة الجبرية التي تعرّض لها في بغداد.

أثناء القراءة، وبعدها، شعرت بفرح غريب، وربما غير مفسّر: كاتب أردني يكتب كتابة جميلة كهذه! ليس انتقاصًا من الكتّاب في الأردن، لكنني لم أكن أعرف أحدهم من قبل. لم تتحدث الاعترافات عن الأردن، لكن الكاتب أردني؛ كنت أواسي نفسي ربما. بالإضافة إلى أنها، ربما بنبرتها الحزينة، لاءمت حزن المراهقة أيامها. كلّما مرّت ببالي تلك الرواية، تذكّرت مقطعًا منها يتحدث فيه الراوي عن شعور أهل البيت الواقع تحت الإقامة الجبرية عندما يخرج عامل النظافة من بيتهم بعدما أصرّوا عليه للبقاء قليلًا، حيث كان شعورهم يشبه الفراغ الذي تشعر به عندما تمرّر لسانك على الفراغ الموجود في الفم بعد خلع الطاحونة.

بعدها، قرأت رواية «جمعة القفاري»، وهذه الرواية تدور أحداثها في الأردن، أخيرًا! عرفت وعايشت الكثير من الأشياء من خلالها؛ تخيلوا أنه كان هنالك ملاكمون مشهورون في الأردن، ولهم جمهور! مع المزيد من القراءات لمؤنس، تطورت علاقتي معه لدرجة أنني صرت أخترع أسبابًا غير منطقية لتعلّقي به؛ مِثلَ أنه توفي في نفس اليوم والشهر الذي وُلدت فيه، وفي العام الذي تابعت فيه بطولة كأس العالم بشكل حثيث للمرة الأولى والأخيرة في حياتي. ربما هذا التوق والتعطش نحو معرفة تاريخ الأردن، ومعايشة السياسي والاجتماعي واليومي فيه، من خلال جميع أنواع المؤلفات، هو ما خيّب ظني بعض الشيء في هذا الكتاب.

يستهلّ إلياس فركوح كتابه (بالشراكة مع مؤنس الرزاز، إن جاز القول) «رسائلنا ليست مكاتيب»، الصادر عن دار أزمنة، بمحاولة لتبيان سبب خروج هذا الكتاب للنور حيث أن الأمر كان بمحض الصدفة. فخطرت الفكرة في بال فركوح، حسب ما قاله في لقاء له مع جريدة العرب، عندما أعاد تنظيم أرشيف الرسائل لديه، ثم أعاد قراءة رسائل مؤنس إليه. ومن خلال مقارنة الواقع أثناء زمن تلك الرسائل (1976 – 1981) مع الحاضر الآن (2013 – 2015)، استفزه ذلك للرد والحوار بأدوات الحاضر الذي آل إليه ذلك الماضي. كأنه، حسب كلامه، يواصل حوارًا قطعه الموت بينهما، حيث كان الشكل النهائي للكتاب كأنه مراسلات تقع في زمنين مختلفين.

تطرّق فركوح للعديد من المواضيع التي نشأتْ في باله بعد قراءته لرسائل مؤنس؛ مثل مفهوم الأخير عن «مدينة الحلم» بغداد، ورأي فركوح في ذلك حيث تحولتْ مدن الحلم تلك إلى «مدن لا مرئية»، ومنابع أحلامهم المختلفة بسبب نشأة كل منهما، حيث أن مؤنس نشأ في عائلة حزبية أدّتْ -برأي فركوح- إلى استكانة مؤنس لحزب البعث وتقليل النزعة النقدية لديه، في حين أن انتماء فركوح لعائلة محافظة من هذه الناحية شكّل لديه حسا نقديًا جعله يحذر من الانزلاق وراء «مهندسي الحلم»؛ قيادة حزب البعث في العراق كما وصفهم مؤنس.

احتوت الرسائل على العديد من النقاشات الفكرية المُثرية، مثل ما قاله فركوح تعليقًا على رسالة مؤنس التي تطرق فيها إلى عبارتي «البعد الفلسفي» و«الموقف الفلسفي»، حيث أن الأول يتضمن خلفية فلسفية تدور داخلها الأعمال الفنية، تتأثر وتؤثر بها. أما الآخر، فهو يمثل تعبيرًا جامدًا، تشوبه الأيديولوجيا، يظهر في الأعمال الفنية ويقودها. بالإضافة إلى اختلافهما حول مفهوم «الأدب البعثي» ورأي إلياس فركوح بقصائد محمود درويش القديمة والجديدة.

لكن الكتاب شابته الكثير من الخطابية؛ هل ما نزال بحاجة لكتاب آخر يحدثنا عن مدى سوء داعش وعن الحزن الذي يولّده الفضاء العام المغلق والذي يمنع النقاش في الدين والسياسة وكل شيء؟ تلك الخطابية كانت تولّد أحيانًا شعورًا بأن فركوح لا يرد على الرسائل حقًا، وإنما يحمّلها ما لا يمكن أن تحتمل.

أما رسائل مؤنس فكانت تشبه حديقة مهجورة؛ حديثٌ عن مشاعره وأفكاره وغربته في بغداد وبرمنغهام وواشنطن وبيروت. مشاعرٌ اندثرتْ لولا توثيقها في هذه الرسائل. بالإضافة لحديثه عن أناس مات معظمهم. قد يكون هذا الاقتباس من الكتاب يعبّر عن معظمها: «المدن مرايا لا ترغب في أن تستقبل صورتي، فكلما دنوت من إحداها استحالتْ إلى زجاج شفاف».

لكنّ ما حرّك الشكوك لدي حول النهج الذي اتبعه فركوح في هذا الكتاب من خلال كتابة رسائل لا يمكن الرد عليها مرة أخرى هو عندما تحدث عن حلم مؤنس الزائف في بغداد، وعن الذين كانوا مستبدين باسم الحلم. حيث تساءل فركوح عن السبب وراء ذلك الانسياق (ربما يكون مرده لما قاله في البداية عن نشأة مؤنس). حتى أن مؤنس اكتشف خطأه ذاك بعد ما جرى لوالده. وما عزّز تلك الشكوك هو ادعاء فركوح بأن مؤنس شخص حساس ولا تليق به الأعمال الحزبية التي تتطلب قدرًا من الجهد كان ثقيلًا عليه، حتى وصل به الأمر للتساؤل حول استلام مؤنس منصب أمين عام حزب سياسي في الأردن اتضح لاحقًا أنه مليء بالفاسدين، وحول كيفية قبوله خوض انتخابات رابطة الكتاب الأردنيين ومن ثم تسلّم رئاسة هيئتها الإدارية (استقال لاحقًا من الوظيفتين).

شعرت في البداية أن هذا النهج سلطوي بشكل أو بآخر؛ لدى فركوح فقط الحق في بدء هذا التراسل بحكم رحيل مؤنس، ويترتب على ذلك استحالة الرد والتعقيب من الأخير. بالإضافة إلى أن فركوح يمتلك الكلمة الأخيرة في هذا «الحوار». أفكّر الآن: الكلمة الأخيرة لا تعني أنها الأصح، لكنها تسلب مؤنس حتى حق البقاء في السياق، خصوصًا عندما تأتي بنبرة الذي يكتب بعد ثمانية وثلاثين سنة. لكنني أفكّر أيضًا: هل يُعدّ فعل الكتابة هذا سلطويًا حقًا؟ لو أن باحثًا قرر الكتابة عن ميول الرزاز الفكرية بناء على كتاباته المنشورة ورسائله الخاصة، ألن يكون ذلك مشابهًا لما فعله فركوح؟ لكنّ ذلك البحث لن تكون لديه تلك النبرة التي تتساءل وتعاتب مؤنس على انتماءاته أيامها، ذلك العتاب والتساؤل الذي لا يعني شيئًا، حيث أنه في الواقع لا يقول أو يضيف شيئًا.     

منذ أن اشتريت الكتاب، من على بسطة بين المجمع القديم والجديد في الزرقاء، توقعت أن تكون كتابة إلياس فركوح هي محاولة لتأريخ تلك الفترة الزمنية في الأردن (1976 – 1981) بحكم أنه ممنوع من السفر خارجها، ومؤنس يكتب من الخارج. حيث أن الأخير سأل في أكثر من رسالة عن الثقافة في الأردن وأخبارها، فهو (بحسب كلامه في إحدى الرسائل) «كاتب أردني.. رغم كل شيء»، لكن إلياس لم يرد. حتى أنه لم يتحدث عن المشهد الثقافي في الأردن الآن.

لم يخلُ الأمر من بعض الإشارات من قِبل فركوح، مثل حديثه عن اغتيال صديق لهما اسمه مروان النجداوي على يد قناص من أمام درج مقهى السنترال في الـ70. نعم، كانت تحدث اغتيالات على باب هذا المكان الذي أتردد عليه من حين إلى آخر. لم يخبرني أحد بذلك من قبل، ولا حتى في الكتب التي من المستحيل أن نسمع عنها في المدرسة أو الجامعة. لطالما شعرت بالحاجة لمثل هذا النوع من السرد الذي يوثّق المراحل التاريخية المختلفة في الأردن. كلما صادفت كتابًا هنا أو هناك توجّست من اسم العائلة التي يحملها الكاتب أو من المؤسسة التي أصدرتْ الكتاب. ربما ليس من اللائق أن أحاسب الكاتب على توقعاتي، لكن أستطيع أن أتحدث عن خيبة ظني.

يقول مؤنس الرزاز أن رسائله مع إلياس «ليست مكاتيب»، أي أنها تنشغل بالفكر والثقافة واختلاجات النفس لا بالأمور الشخصية العابرة. لكنني أردتها أن تكون مكاتيب تشهد على العصر، خصوصًا أن مؤنس استطاع أن يفعل ذلك دون جهد لأنه قادم من هناك، أما فركوح فلم يفعل في كثير من المواضع.