العلم والسلطة: من أجل مَن نتعلم؟

الخميس 10 كانون الثاني 2019
مشاركون في جلسة مفتوحة في المنتدى العالمي للعلوم الذي عقد في البحر الميت في تشرين الثاني 2017. تصوير أمل بين، إ ب أ.

يُصَدِّر العلم نفسه، بشقيه التطبيقي والإنساني، ككيان محايد وتام الموضوعية، ممارسًا بذلك سلطةً معرفيةً على كافة الحقول الأخرى. في حين أن العلم نفسه كثيرًا ما يتماهى مع سياسات السلطة الحاكمة جاعلًا من نفسه أداةً طيعةً ومنصاعة لاستخداماتها، بحيث لا يخرج عن فلك تصوراتها لما ينبغي أن يكون عليه العلم. من هنا، يصبح الخطاب الذي يُصاغ من خلاله دور العلم في المجال الاجتماعي، حقلًا مهمًا لكشف دعوى استقلال العلم وحياديته، بل أيضًا وسيلةً ضرورية لكشف مراد السلطة السياسية نفسها من العلم، وحدوده التي لا ينبغي له تجاوزها.

في هذا السياق، يمكننا فهم دعم الدولة للمنظمات التي تقدم العلم بصورةٍ شعبوية، مستخدمةً خطابًا تسطيحيًا للترويج لنسخة من العلم تتوافق مع نهج السلطة في إدارة الشأن العام، أو على الأقل لا تخالفها، ولا تقف في مواجهة تطلعاتها.

إضافةً إلى تلك الجماعات الترويجية، يُمْكِنُنَا تتبع خطاب الدولة بالنظر في أحوال الأكاديميا، كونها راعيةً للعلوم، وضابطةً له، ووجهًا آخر للسلطة في مجتمعاتنا. يكون ذلك من خلال شقين: بحث سلوك الأكاديميا في التعامل مع الطلبة، وسقف المشاريع العلمية الجادة التي تحاول فهم الواقع بشكلٍ يساعد على تمكين المجتمع من الإمساك بزمام أمره.

«العلم الجميل»

ينضوي تحت تعريف الخطاب كل قولٌ يستبطن غاية محددة، يصدر عن سلطة مخوّلة للتكلم بموضوع معين، بغرض تعزيز السطوة والنفوذ. من هنا نفهم كيف تُبْرَز بعض المنظمات التي تقدم العلوم بصورة شعبوية، من خلال تحويل الجهد الشبابي إلى ترسٍ في ماكنة. إن احتفاء السلطة بأي مؤسسة، يجب فهمه في إطار التوكيد على نهج تلك المؤسسة، بمعنى أنه لن يكون معقولًا أن تحتفي السلطة بمؤسسة تتخذ شعار «العلم المقاوم»، إذا كان سعي السلطة لا ينصب في ذلك الاتجاه، ولكنها ستحتفل بكل تأكيد بمؤسسة تتخذ شعار «العلم الجميل».

ينتمي هذا الشعار إلى لغة خطابية تحاول من خلالها السلطة فصل العلم عن أبعاده السياسية والاجتماعية. حيث يسعى هذا النموذج من العلم إلى تمكين الأفراد ماديًا، في صورة تحقيق إنجازات منفردة، من خلال المشاريع الريادية، التي عادةً لا تخدم سوى صاحبها، وأحيانًا قلة قليلة حوله. هذا التفوق الفردي يمكن تكثيفه في شخص واحد، أو مجموعة محدودة الأشخاص، يُمثل صورة الشاب القدوة الناجح، الذي آمن بقدرة العلم على إحداث التغيير. يمهد هذا التكثيف الطريق لعملية وسم الشباب الحائد عن طريق العلم بالفشل، من خلال نصب مثال لما ينبغي أن يرنو إليه الشباب. إن هذا الخطاب يسمح للسلطة بالتنصل من مسؤولياتها تجاه المجتمع، من خلال تسهيله عملية إلقاء اللوم على الفرد، كنتيجة حتمية لعدم تحصله على القدر الكافي من العلوم.

سمة أخرى شديدة الالتصاق بهذا النموذج من العلم هي أنه يتخيل علاقة سببية طردية بين التقدم العلمي والحضاري، بمعنى أن التقدم العلمي يستوجب تقدمًا حضاريًا. من هنا، يتخيل المتحمّسون لهذا النموذج أن التقدم الحضاري متوقف على المنجزات العلمية، لكنهم يغفلون الواقع المحيط، وارتباط التقدم العلمي بمتطلبات السلطة. في الحقيقة، يخضع هذا «العلم الجميل» بالضرورة لسياسات السلطة، التي قامت بتدجينه بعناية شديدة، مما يجعله عاجزًا عن إحداث أي تغيير يتجاوز خطط السلطة، ونطاق الحركة الذي سمحت به.

الشكل الخارجي العام اللطيف الذي يدعو إلى دفع عجلة العلم يضمر مضمونًا يسعى إلى إخراج مشتغلين في العلم يفتقرون إلى المخيلة اللازمة للتغيير

يسمح هذا الخطاب بإنتاج ما يمكن وصفه بـ«العالِم اللامنتمي»، وهو شخصية لا تكترث بشيءٍ سوى «العلم»، فتتتخيله ككيان مستقل، لا يرتبط بأي سياق اجتماعي أو ثقافي. وهنا يكون التقدم العلمي هو الهدف الذي يمكن تبرير أي شيء من أجله. ومعه يصير من الطبيعي أن تجتمع بالآخر، قد يكون عالمًا، أو موسيقيًا، أو سياسيًا، وقد يصدف أن يكون ممثلًا لدولة تمثل تهديدًا للمنطقة، لكن العلم مستقل، ولا توجد له اعتبارات أخرى، وبالتالي فإن «موضوعية» العالم اللامنتمي ستحتم عليه أن يتخلى عن أي اعتبارات تمنعه من الالتقاء بذلك الآخر.

تتسم مخرجات هذا العلم، التي تعتبر تمثلًا للخطاب الضابط، بانفصالها عن حاجات المجتمع، حيث تنصب في مواقع هامشية، طارقةً مواضيع لا تتصل بمشاكل الواقع الحقيقية. بينما، يركز الخطاب السلطوي عن العلم بنشر نموذج يشجع على الابتكارات والأعمال والمهارات، تلك الملكات القابلة للتحول إلى مشاريع اقتصادية، بيد أنها لا تمس خطوط وتوجهات السلطة العامة.

إن الشكل الخارجي العام اللطيف الذي يدعو إلى دفع عجلة العلم يضمر مضمونًا يسعى إلى إخراج مشتغلين في العلم يفتقرون إلى المخيلة اللازمة للتغيير؛ أشخاصٍ يعجزون عن تصور إمكان العلاج خارج منظومة السلطة. إن سمة هذا العلم الأساسية هي أنه منزوع الأظافر، فلن يُخْرِجُ خطابٌ كهذا شخصًا يتخيل تطوير منتجٍ يعطي المجتمع القدرة على مراقبة وتقيم سلوك السلطة نفسها، بل ستكون مخيلته تدور في تطوير ما يسمح له بالاستثمار التجاري الموجه للسوق.

مما يثير الاستغراب أيضًا، ويؤكد على انفصال مشاريع العلم الترويجية عن مجتمعاتها وتركيزها على طبقة معينة من الشباب يمكن توظيف جهودهم وقدراتهم، هي استخدام الإنجليزية كلغة رسمية. يكون ذلك باعتبار أن اللغة الإنجليزية هي لغة العلم، مع أن الفئة الأكبر من الشباب لا يتقنون غير اللغة العربية، ويكون استخدامهم للغات الأخرى شديد التقنية. فكيف يعقل لمشروع يستهدف الشباب العربي أن يتحدث إليهم بلغة مختلفة؟ إن هذا يدعم من فرضية انتماء هذه المشاريع لفلك يتماهى مع أبهة السلطة التي تسعى لتحسين وتلميع صورتها.

الأكاديميا المسالمة

تشكل الأكاديميا صورة العلم الرسمية، لذلك يشكل خطابها صفحة مفتوحة لقراءة مراد السلطة من العلم. لذلك أعتقد أن ما يخبرنا به تشومسكي عن الجامعات الحديثة يشكل نقطة انطلاق جيدة لاستكشاف شكل العلم المطلوب انتشاره في أروقة الجامعات، حيث يقول: «لقد بات واضحًا تمامًا دور الجامعة في تلقين الشباب (..) التعليم الجيد، الذي يغرس الاتفاق الضمني العام، الذي لن يقوم بذكر حقائق [محددة] أو حتى التفكير [بها]. والنتيجة هي أنّ من يحاول أن يتحدى العقيدة السائدة يجد نفسه قد أسكت بفاعلية مدهشة».[1]

يمكن ملاحظة مقولة تشومسكي بجلاء في عناوين البحوث الأكاديمية التي تنشرها كليات العلوم الإنسانية في جامعتنا، أو المواضيع التي تتم الموافقة عليها في برامج الدراسات العليا. حيث تجد مواضيع لا تتقاطع مع أشد المسائل راهنية وحساسية، فيتم تمرير مواضيع تتصف بترفيتها أو محدودية موضوعها. يتساءل المرء عن غاية هذه البحوث، بل عن هدف المعرفة ككل، التي نتعلمها في أروقة الجامعات، حين يبدو جليًا أن العلم المراد هنا ليس تمكين المجتمع، أو تحسين ظروفه المعيشية، أو حتى إنتاج مواطن قادر على النقد والتفكير.

وفي هذا السياق، يبرز تأثير تمويل البحوث. فالمعايير التي يتم وفقًا لها تمويل هذا المشروع البحثي أو ذاك دون غيره، تشكل يد السلطة الخفية التي تصنع من خلالها شكل العلم المراد تقدمه، بل أنها تقمع أي إرادة تسعى لدراسة مشاكل حقيقية، لأنها بكل بساطة قضايا لا تجلب لقمة العيش، حيث تمسك السلطة بزمام المعرفة، فتُضَيِّق وتجزل العطاء على ما/من تريد.

لقد تحولت الأكاديميا ليس فقط إلى مراكز تسعى لتخريج أناس بطبائع وتصورات منمطة، أو مجرد أصحاب مشاريع اقتصادية تهدف تعظيم أرباحها، إضافةً إلى رفد الأسواق التجارية المحلية والعالمية بحاجتها من الأيدي العاملة الماهرة. بل أضحت وجهًا خفيًا للسلطة، يضبط ويوجه الشباب. أما الأكاديميون أنفسهم، فيشكل معظمهم، ولو بدون وعي، منجل السلطة الذي يُقَّلِم عقول الأفراد لما تحبه وترضاه.

[1] Islam, G., & Muscat, R. (2005). Chomsky tackles current issues. The Silhouette Online, 73(12).