الزغلول يحطّ بجناحيه

الأحد 11 شباط 2018

اعذريني يا حروف الأبجدِية

إذا ما بعملِ الواجب عَليِّي

خسرت خيي اللي مفضّل ع أولادي

وعليِّي، متل إمي ومتل بيِّي

خمس ساعات صارلو مش زيادة

وما حلو يبتدي النسيان فيِّي

وبعزا خيِّي رجعت عزِّي فؤادي

لأني بعتبر كل شخص منكن

بعد ما غاب خيِّي، محل خيِّي

بهذه الأبيات افتتح الزعلول قصيدة في التحدي الكبير بينه وبين الشاعر موسى زغيب سنة 1971 بعد ساعات من تشييع ودفن أخيه. ظلت هذه الأبيات مسموعة وما زال صداها مدوّيًا بين جدران سرايا قلعة بيت مِري إلى يومنا، لتخلّد الزغلول شاعرًا و«ريّسًا» لجَوقتهِ التي أنجبت فحول شعراء الزجل في تاريخ لبنان الحديث.

رحل زغلول الدّامور منذ أيام، عن عمرٍ ناهز الـ 93 عامًا، نافضًا ريشه الذي كسا منابر الزجل على مدار ما يقارب ثمانية عقود. هو جوزيف الهاشم، لكن اسمه ظلّ حبيس دائرة النفوس وأوراقه الثبوتية، أما الزغلول فهو لقبه الذي لازمه منذ نعومة أظفاره حين بدأ «يتزغلل» الزّجل، كما يقول. وهو بوشريّ المولد – نسبة للبوشرية من قضاء المَتن – لكن الجْدَيدَة هي قريته التي ارتجل فيها أولى طلعاتِه الزجلية، وفي التحدي ذاته مع موسى زغيب، يقول الزغلول مخاطبًا القلعة:

خلقت بجدَيدتك وطلعت طلعة

تا شفت الشمس أوطى من جبيني

ومن الشعّار كم شلعة وشلعة

مشوا خواريف ع شمالي ويميني

في العقود الأخيرة، رحَل كثيرٌ من شعراء الزجل اللبناني، لكن الزجل لم يعرف فقيدًا كما عرف برحيل الزغلول، والحديث عنه يُحيلُنا بالضرورة للحديث عن الزجل وتطوره حديثًا في جبل لبنان، خصوصًا أن الزغلول يُعتبر من شعراء الجيل الثاني بعد رشيد نخلة وشحرور الوادي -خال الشحرورة صباح– وكذلك علي الحاج، الذين مَنْبروا الزجل بعد أن كان طقسًا غنائيًا شفويًا يتناقله الناس في الأعراس، فأصبح للزجل مع هؤلاء منبرٌ يتبارى عليه أربعة شعراء بدفوفهم التي تضبط خرخشتها إيقاعَ القول والقافية مع ترديد الكورس من خلفهم، ليتخذ بذلك الزجل في لبنان مسارًا مختلفًا عمّا بقي عليه في سوريا وفلسطين.

مطلع أربعينيات القرن الماضي أنشأ الزغلول جَوقته التي حملت اسمه لعقود تلتْ، وكذلك نشأت جوقة خليل روكز أحد أبرز شعراء الجيل الثاني الذي لا زالت جوقته تجوب لبنان وبلاد المهجر إلى يومنا بقيادة موسى زغيب. إلاّ أن بصمة الجيل الثاني مع الزغلول كانت في تطوير وتطويل ردة الـ«مُعنّى» التي كانت تُرَدّد على بيتين أو ثلاثة أبيات، ليأخذها الزغلول، برفقة صاحبه زين شعيب، الى أحد عشر بيتًا.

الُمعنّى لون من ألوان شعر الزجل تميـّز به اللبنانيون وحدهم، لأنه تقليدٌ غنائيٌّ تعود أصوله إلى تراتيل المغنيشو السريانية التي كانت تُردّد في قدّاس كنائس السريان، ومنه اشتق لفظ المُعنّى الذي يتميز بأبياته المُصرّعة -انتهاء قافية صدر البيت بنفس حرف قافية عجزه-، ولاحقًا تطورت منه مواويل أغنية «أبو الزلف» المشهورة عند الرحابنة وفيروز ووديع الصافي. وكانت تجري المباريات على منابر الزجل بين الشعراء من خلال هذا اللون، حيث التحدّي والسّجال يدور على وزن الُمعنّى، ولأنه يُغنّى سجالًا قيل عنه الزجل، أيّ من السَجل والسجال. وهذا اللون لم يألفه زجلُ فلسطين، ففي المحاورات الشعرية التي كانت تجري قبل النكبة ما بين عكا وصور قيل فيها أن شعراء لبنان كانوا يتفوقون على الفلسطينيين بالُمعنّى، بينما يتفوق الفلسطينيون عليهم بشعر العتابا.

تميّز الزغلول بصوته الجميل، مما جعله أفضل مفتتحٍ لمباريات الزجل، إذ لم يُعرف عن حفلة شارك فيها ولم يفتتحها بنفسه، ليس لأنه ريّس جوقة فحسب، بل أيضًا لصوته القوي ومَدّتِه بجرّة الأوف المدوّية التي  كان رنينها ينبعث صافيًا في أذن السامع، فكان الزغلول شيخ شعر القصيد الذي به تُفتتح وتختم المباريات. وفي افتتاحياته غنّى الزغلول للبنان وشرايينه المفتوحة، وكذلك للحرب ومهجّريها، وغنّى للوطن العربي، دون أن ينسى فلسطين.

برفقة زين شعيب، ابن قرية الشرقية في جنوب لبنان، جاب الزغلول القرى والمدن والضِيّاع، عرفتهما المنابرُ متبارييْن تارةً، ومتمترسيْن معًا ضدّ جوقة تباريهما تارةً أخرى، الى أن فرقتهما الحربُ الأهليُةُ اللبنانية منتصف سبعينيات القرن الماضي، ليجتمعا مجددًا في أول نيسان بعد الحرب، ويُنشدا معًا في ذكرى اندلاعها:  

بأول نيسان بلبنان

حفلة كبيرة بتجمعنا

هاي أول مرة نيسان

بيوعد وبيصدق معنا

كان زين شعيب، الذي رحل قبل أكثر من عقدٍ، من أخطر شعراء المنبر الذين عرفهم تاريخ الزجل في لبنان، لم يملك زين صوتًا مميزًا كالذي امتلكه الزغلول، لكنه امتلك قدرةً فائقةً على الارتجال، وسرعة الرد على مُحاوِرِهِ إلى حدِّ دبّ الرعب فيه، فضلًا عن عنفوانه، وعنتريات قوافيهِ التي جعلت شهرته تفوق شهرة الزغلول.

ومن طرائف شعيب مع الزغلول، ما نقله الأخير عنهما عندما أبحرا على متن باخرة في طريقهما لإقامة حفلة في إحدى دول المهجر، ولما بدأ موج البحر يتقاذف الباخرة، ارتبك شعيب، فعاب عليه الزغلول ذلك مذكِّرًا إياه بعنتريّته على منابر الزجل، عندها وقف شعيب، وعلى وزن القرّادي أنشد متحديًا البحر:

عامل بحر واتلنتيك

وزين شعيب ماشي فيك

استناني أوصل ع الشط

بحمل دفّ وبفرجيك

مع الزغلول، وبصوته الرخيم، غنّت ورقصت جماهير الزجل طربًا كلما طلع بِرَدّةٍ من ردات القرّادي، حيث الوزن الذي يمنح الجمهور فرصة مشاركة الجوقة، غناءً وإيقاعًا، عبر ترديد اللازمة وتصفيق الأكفّ التي كانت تلهب حماسة الشعراء في الرد على بعضهم البعض. تعود أصول غناء القرّادي في بلاد الشام إلى الثقافات المحلية التاريخية التي توطّنت في جبال عامل ما قبل الفتح العربي–الإسلامي، ونسبةً إلى هذا الغناء عُرِفَت دبكة القرّادية أو الكرادية حيث حركة القدمين في هذه الرقصة تعمل وفق إيقاع لحن القرّادي وأغانيه، وهي دبكة نسائية أكثر مما هي رجالية، ولا تزال النساء في شمال فلسطين وجبل لبنان يرقصنها في الأعراس، لأنها الدبكة الأقل قفزًا وحركة والأكثر احتشامًا وضبطًا لجسد المرأة.

عدا عن القصيد والُمعنّى والقرّادي من ألوان الزجل، فقد تميّز زغلول الدامور بتراتيله الكَنَسيِّة التي كان ينشدها في قدّاس الكنائس والمناسبات الدينية. إضافة إلى زجل الرثاء المعروف بالنّدب أو النديب من ألوان الزجل المغنى رثاءً، ومنها أيضا الشروقي الدارج حتى يومنا في بلاد الشام، ويعود الشروقي في أصوله كغناء حزين إلى شروقي ريف بغداد في العراق حيث عانى سكانه من نزعة المدينة المستعلية اجتماعيًا، ومن تهميشهم انبثق هذا اللون والذي مَطلعُهُ التأفف والشجب والعتاب.

شمل الزجل هذه الأوزان والألوان حتى بات قادرًا على التسلل إلى المعابد وطقوس الموت ومجالس العزاء في كثير من مناطق لبنان. وبِلَكنتِهِ الجبلية وبحّة صوته الحزين رثا الزغلول الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر، وأبّنَ كثيرين من زعماء لبنان الوطنيين، فضلًا عن رفاقه من الشعراء الذين غادروا المنبر إلى مثواهم أمام عينيه.

لصوت الزغلول دمغة على تاريخ الزجل الحديث، ولجَوقته على المنابر بصمة في قوافي الشعر المحكيّ إلى حدٍّ صار الزجل فيه شعر الجمهرة، وهذا ما لم يحظَ به -ربّما- أيّ من ألوان الشعر العربي، فجمهور حفلات الزجل في لبنان كان يصل في بعض الأحيان إلى ما يزيد عن الأربعين ألف مستمع ومتفرج، خصوصًا إذا تعلق الأمر بجوقة زغلول الدامور التي حوت أعتى شعراء الزجل، مثل: زين شعيب وطليع حمدان وخليل شحرور وغيرهم.

ومن أجمل الصور الشعرية للزغلول وجوقته، ردةٌ في وصف قرية شتورة في إحدى الحفلات التي أقيمت فيها، جاء مطلعها على لسان الزغلول:

جنة الله المعمورة

صوّرها مثل شتورة

بين شتيتا ومار الياس

وقعت من إيدو الصورة

برحيله لن نقول على الزجل السلام، لكن السلام على الزغلول وروحه، ونقول له على طريقته حين كان يودّع ويرثي الرفاق: رح ننتظر لخمسين عام، بلكي الجيل ببعث منو شي طفل، هَزّلُو سريِرو زغلول الحمام.