14 بطانية مسلوبة: قصة لجوء سوري «أخرى»

الثلاثاء 08 آذار 2016
Syrian women

عندما حلّت الذكرى  الخامسة لانطلاق الربيع العربي في شهر كانون الأول الفائت، نُقل عن لسان الشرطية التونسية فايدة حمدي التي صفعت الشاب محمد بوعزيزي ندمها، وقولها: «لولا تلك الصفعة لما كان هذا السيل من الدماء الذي أتحمل مسؤوليته».

لا شك بأن هناك من يجد هذا التصريح ساذجًا؛ إذ يحمّل الصفعة ذنب عقود طويلة من الظلم والاستبداد، ولكن من هم أحق بالرد على الشرطية، بالموافقة أو الرفض، هم أولئك الذين وبعد اندلاع الربيع العربي فقدوا مأوىً وأحبّة، وأضحى كثير منهم لاجئين حول العالم.

قريبًا، تحلّ الذكرى الخامسة للثورة السورية، والتي راح ضحيتها أكثر من 250 ألف سوري، وتشرّد أربعة ملايين آخرين فقدوا بيوتهم وممتلكاتهم قبل أن يصبحوا أرقامًا في خطط الاستجابات الوطنية وخطط دعم المجتمع الدولي.

هم ليسوا أرقامًا، ولكنهم كثيرو العدد، فمن يكترث لسماع قصص شخصية من كل لاجئ ولاجئة يرغبون في رواية التفاصيل؟ لم أكن أنا أيضًا لأستمع إلى القصة كاملةً بتفاصيلها المملة لولا أن سيدة سورية تُدعى سلاف ذكرت لي ذات يوم «كم طنجرة وكم حرام» تركت في بيتها قبل أن تلجأ إلى الأردن.

كنّا في بازار خيري تقيمه جمعية المركز القرآني في قرية حوّارة بإربد، حيث كانت هذه السيدة الخمسينية تعرض بضاعتها البسيطة التي تعتاش منها وتعيل أحفادها الثلاثة إلى حين التحاقهم بأبيهم في أوروبا فور إتمام لم الشمل.

أخبرتني حينها أنها بقيت طريحة الفراش لما يقارب شهرًا حينما وصلها خبر دخول الأمن إلى منزلها في درعا، وعدم ترك رجال الأمن السوري لـ«ملعقة واحدة» في المنزل. إن أحدًا لن يشعر بالألم كما تشعر به هي على حد قولها، لأنها اشترت كل أثاث المنزل قطعةً تلو الأخرى مما كانت تكسب، فزوجها موظف في البريد السوري، ولم يكن يجلب إلا حاجات المنزل الأساسية من طعام وشراب.

في سوريا، اشتركت في جمعيات مع جاراتها، لتشتري بنقودها قطعًا من الملابس وتبيعها لجاراتها وقريباتها بعد فنجان القهوة الذي يحتسينه معًا في بيتها، فاستطاعت أن تشتري السجاد، والكنبة، والطناجر. ولشدّة تعلقها بتفاصيل بيتها، تعلم بالضبط أن بيتها كان فيه 14 بطانية قبل أن يدخله عناصر الأمن السوري الذين لم يتركوا لها «ملعقة أو شوكة لتأكل بها» بحسب ما أبلغتها ابنتاها يوم كانتا تستطيعان دخول المنطقة.

أما الصور التي أرسلت لها عبر ابنتيها أيضًا، فجاءت بصدمة أخرى لسيدة اعتادت أن تصنع من شجر حديقتها مربى السفرجل لتطعم منه الحي كاملًا، فعلمت أن «البلدوزر قصتهن قص مشان يشوفوا الجيش الحر إذا أجو من ورا الدار».  

بيد أن ما يواسي سلاف في محنتها هو المثل الشعبي الذي يقول «لا أسف عالرخيص»، فكيف تظل قابضة على هذا الحزن وقد فقد السوريون «شباب الوردة»؟ بل كيف تحزن هي على «حجر» وابنتها فقدت زوجها ذا الأربعة وثلاثين عامًا؟

هم ليسوا أرقامًا، ولكنهم كثيرو العدد، فمن يكترث لسماع قصص شخصية من كل لاجئ ولاجئة يرغبون في رواية التفاصيل؟

تقول سلاف أن زوج ابنتها كان في زيارة قصيرة إلى منزل أهله في حلب يوم سقطت قذيفة بجوار البناية، فأراد إسعاف المصابين، ولم يثنه توسل والدته التي فقدت ابنها الآخر قبل تسعة شهور فقط من تلك الحادثة. أخبرهم بأنه لن يبقى «متفرجًا على المصابين مثل النسوان»، ولقي حتفه بعدها بقذيفة أخرى.  

عند مراجعة مرحلة «الربيع السوري»، تتعجّب سلاف من «غباء» من ثاروا، فالرئيس السوري بشار الأسد يعلم جيدًا من هم حلفاؤه، بينما كانوا هم «أغبياء» ولم يدركوا أن العالم بأسره يقف إلى جانب الرئيس.

تستذكر يوم قال أهل منطقتها في درعا «صلّوا الجمعة وقولوا الله أكبر والله لنقلب الحكم»، وتتندّر بحسرة على من «سحج عالتلفزيون وقال يلا ارحل يا بشار» فانتهى المطاف ببشّار يرحّل «الأمة العربية وبعده قاعد على الكرسي».

لسان حال سلاف، وهي تذكر كم مرّة بكت عند مدراء جمعيات تقدم المساعدات للاجئين السوريين، يقول أنها لو علمت أن الحرية ستجعلها تتسوّل عطف العاملين في الجمعيات، وخصوصًا الإناث الأقدر على تفهم حالها برأيها، لما كان أحد أراد هذه الحرية!

بيد أنها تعود لتُقسم أن الناس ما خرجت إلا مطالبةً بحقٍ أصيلٍ لها، فلا تفارق ذاكرتها القصة التي رواها لها زوج أختها، والذي كان شرطيًا عندما وقعت أحداث حماة عام 1982 يوم «دفن أبو الرئيس الحالي الناس وهي طيبة من دون ما يدرى العالم».

لم ينسَ زوج أختها طيلة حياته صورة الأم التي انحنت لتقبّل حذاء الجندي، وهو يصوّب سلاحه نحو أبنائها الأربعة بسبب شكوك حول انتمائهم لجماعة الإخوان المسلمين الذين اتهموا حينها بمحاولة الانقلاب على النظام.

توسلت تلك الأم إلى الجندي وقالت «يا حبيبي قوصني ولا أشوف هاللي بدي أشوفه»، فما كان منه إلا أن أطلق النار على أبنائها أمام أعينها حتى «تعيش هي وتحكي لولد ولدها شو يعني إخوان مسلمين». أليس الخلاص من هكذا نظام «حق للناس» خصوصًا وأنه لم يختلف كثيرًا عن أبيه على حد تعبيرها؟  كما أن هناك أمثلة من المنطقة العربية كانت تبعث على الأمل على حد وصفها، فها هي تونس، وليبيا، واليمن ومصر تخلع حكامها، فلم لا تبدّل سوريا حكمًا استمر لأكثر من أربعة عقود؟

تقول سلاف أن من بقوا في سوريا ينصحونها بأن تنسى أمر العودة، فسوريا لن تعود كما عهدتها إلا بعد مرور ثلاثين سنة على الأقل. يخبرونها أن «نجاسة العالم كله فيها»، فمنذ متى ونساء سوريا تغلق أبواب البيوت بعد أذان العصر ولا تجرؤ على الخروج منها؟ ومنذ متى والعائلة الواحدة تحتاج إلى مائة ألف ليرة سوري شهريًا في ظل الغلاء الذي تشهده سوريا اليوم، بينما كانت أكثر العائلات رفاهيةً تنفق هذا المبلغ في أربعة شهور؟

تنسى سلاف كل الأحداث الأليمة التي عاشها السوريون خلال الخمس سنوات الماضية عندما تروي ما شاهدته في المنام مراتٍ عديدةٍ. بابتسامةٍ عريضةٍ بعد الكثير من الحشرجة على كل ما فقدت، تقول سلاف أنها رأت نفسها في المنام في حديقة منزلها، تقطف الزيتون وتغني لضيوفها «عالندى عالندى، من هو عزمكن عالندى؟ سلاف عزمتكن وكثرت الترحيبة».

تنظر إلى ضيوفها في المنام وتسألهم «شلون بتقولوا في حرب بسوريا؟».