أحمد الجلبي: الخادم المخلص للكذبة الأميركية الكبرى

الأحد 15 تشرين الثاني 2015

ترجمة محمد زيدان

(نشر هذا المقال باللغة الإنجليزية على موقع الجزيرة بتاريخ  ٤ تشرين ثاني ٢٠١٥)

إنّ تلك الادّعاءات التي تذهب إلى أنّ أحمد الجلبي هو الذي دفع الولايات المتّحدة إلى غزو بلاده عام 2003 ليست مغلوطة وحسب، بل لا شكّ أنّها تستخدم من قبل أولئك الذين يسعون إلى تبرئة واشنطن وتحويل المسؤولية عنها فيما يتعلق بآثار عدوانها وجرائمها الإمبريالية.

لقد كان الجلبي خادمًا مطواعًا للمحافظين الجدد ومهندسي الحرب في واشنطن والغرب وكان فخورًا بدوره هذا، فقد وفّر لهم اسمًا عراقيًّا/عربيًّا تفوح منه «العراقة» بهدف وضع حملة متقنة من الخداع والتضليل، وتسويغ غزو العراق أمام الرأي العام الأمريكي والعالميّ.

لقد استمرأ الجلبي ذلك الدّور، ولا شكّ في أنّه دور ذو أثر بالغ في الدفع نحو الحرب، غير أنّ الكذبة الحقيقيّة والمعضلة الأكبر هي التصديق بأنّ رجالات البنتاغون ووكالة الاستخبارات المركزيّة قد خُدعوا وحسب حين نُقِلت إليهم معلومات خاطئة فيما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل العراقيّة.

المرشّح الأفضل للمهمّة

نظرَ المحافظون الجدد في واشنطن، والذين لم يخفوا قطّ عزمهم على منع بروز أي قوّة إقليميّة أخرى في المنطقة عدا إسرائيل، فلم يجدوا أفضل من هذا المصرفيّ صاحب الحضور الكاريزميّ وخرّيج معهد ماساشوستس العريق ليكون الصوت والصورة لتسويق حملتهم العسكريّة بين جموع الصحفيين المنبهرين.  

لقد رأى العديد من الصحفيين الغربيين، الليبراليين منهم والمحافظين، في الجلبي شخصيّة العربيّ السائر في ركب الحداثة والمؤمن بالقيم الغربيّة من «حريّة وتمدّن»، ممّا جعلهم يتخفّفون من عبء تلك الاتّهامات التي يكيلها غيره من المثقفين العرب في المنطقة للدول الغربيّة.

لقد برز الجلبي في نهاية التسعينات ومطلع الألفية الثالثة وصار الوجه والصوت الإعلاميّ الذي أخذ على عاتقه توضيح الأسباب «الأخلاقيّة» و«الموضوعيّة» التي تستوجب «تحرير» العراق

لقد برز الجلبي في نهاية التسعينات ومطلع الألفية الثالثة وصار الوجه والصوت الإعلاميّ الذي أخذ على عاتقه توضيح الأسباب «الأخلاقيّة» و«الموضوعيّة» التي تستوجب «تحرير» العراق- وهكذا لم تعد دوافع أمريكا وأهدافها واتّهاماتها بحاجة إلى مزيدٍ من التمحيص، فالأكاذيب صارت حقائق وأضحت مسلّمات.

ومع أنّ الجلبي يتبنّى نمطًا علمانيّا في حياته، إلا أنّه لم يتورّع عن استغلال انتمائه للطائفة الشيعية لنسج علاقات قوية مع قيادات عليا في ايران، كما أنّ هذه «الهويّة» الشيعيّة  للجلبي خدمت  الشعارات التي رفعها دعاة الحرب الغربيين حول رغبتهم في إنقاذ الأغلبية الشيعيّة المضطهَدة في العراق.

لقد شكّلت علاقة الجلبي الوثيقة مع طهران وزياراته لها جانبًا مهمًا من أجندة المحافظين الجدد، حيث فهم تمامًا قبول الإيرانيين للجهود التي ترمي للإطاحة بصدام وما مثله ذلك من فرصة لهم لملء ما سيحدث من فراغ في السلطة بعد سقوط النظام في العراق. .

ولكنّ ما قام به الجلبي من تقديم ما يلزم ليساعد الكونغرس الأمريكي على إقرار القانون العامّ لتحرير العراق لعام 1998، والذي ألزم الولايات المتحدة بالسعي لإسقاط نظام صدام، هو ما حقّق له تلك المكانة التي حظي بها وضمن له مقعدًا قريبًا من أروقة صنع القرار في واشنطن.

خادم الإمبراطورية

تشير معظم الروايات التي نُشرت حول قضيّة الجلبي، ولاسيّما في تلك الأعوام، إلى أنّ المؤرّخ برنارد لويس هو من عرّف الجلبي بعصبة المحافظين الجدد، وبالتحديد إلى ريتشارد بيرل، «أمير الظلام»، والذي حافظ على علاقته المثيرة للجدل مع الجلبي حتّى النهاية.

نظر برنارد لويس – صاحب كتاب «ما الخطأ الذي حصل؟»  والذي كان بمثابة كتاب مقدّس بين أوساط المحافظين الجدد- إلى الجلبي باعتباره خادمًا جديدًا للإمبراطوريّة، وهي نظرة تذكّرنا بظاهرة القادة المحليين والأمراء  في الهند وغيرها من المستعمرات الذين شكّلوا الأساس الاجتماعي للقوى الاستعمارية في الماضي.

ينحدر الجلبي من عائلة أرستقراطية كانت قد خسرت نفوذها بعد الانقلاب على الملكيّة الهاشميّة الموالية للغرب عام 1958، ومنذ شبابه عارض من حكموا العراق بعد ذلك وطالب علنا بإسقاط صدّام، وكان هذا الموقف سابقًا بكثيرٍ للمرحلة التي برز فيها المحافظون الجدد ووصلوا إلى قيادة الولايات المتحدة.

استقرّ الجلبي في الثمانينات في عمّان وأنشأ بنك البترا بدعم عريضٍ من القيادة الهاشميّة في الأردنّ، مما جعله من أكثر الرجال تأثيرًا في البلاد

استقرّ الجلبي في الثمانينات في عمّان وأنشأ بنك البترا بدعم عريضٍ من القيادة الهاشميّة في الأردنّ، مما جعله من أكثر الرجال تأثيرًا في البلاد. لكن ورغم علاقة الجلبي الوطيدة بالعائلة المالكة، نظرًا إلى علاقاتها الممتدة والوطيدة مع العديد من  العائلات الأرستقراطية العراقية التي عاشت في المنفى، أقدم الجلبي على ما هو غير متوقع بأن كسب ثقة واحترام الكثيرين في أوساط المعارضة الأردنيّة المقموعة.

كانت حالة الأحكام العرفية ما تزال قائمة في تلك الفترة لكن ذلك لم يمنع الجلبي من اللقاء علنًا بشخصيات معارضة في الأردن، وكان يتفاخر، أمامي على الأقل، بأنّه ساعد بعضهم وأمدّهم ببعض القروض الماليّة بعد خروجهم من السجون، وفعلياً وفّر الجلبي  فرص عمل في مصرفه للعديد من الناشطين السياسيين الذين حرموا من الوظائف من قبل السلطات الأمنيّة.

كما أسس  دائرة للفنون تابعة لبنك البترا تُعنى بدعم المعارض الفنيّة، وقد ترأس هذه الدائرة الروائي الأردني الراحل والمرموق مؤنس الرزاز، ابن المفكّر البعثيّ منيف الرزاز الذي وضع  تحت الإقامة الجبرية بسبب دعوته إلى الديمقراطية والحريات العامة في عهد صدام.

شخصيّة ساحرة

لقد خبرتُ كاريزما الجلبي  بشكل شخصي، عبّر عن تضامنه معي حين كنت صحفية في بدايات مسيرتي المهنيّة ومُنعت من العمل في الصحف المحليّة في الأردن إضافة إلى منعي من السفر. ودعاني الى مكتبه عدة مرات الى مكتبه مبدياً اهتمامه بعملي خاصة انني كنت مراسلة  لصحيفة بريطانية كان مواظباً على قراءتها.

كان الجلبي على «صداقة شخصية»، كما كان يقول، برئيس الوزراء الأسبق زيد الرفاعي، الذي اتهمتني حكومته علناً بالكذب في تقاريري في الصحف الغربية. وبالرغم من تأكيده دومًا بأنه مع حرية الصحافة لكنه كشف فجأة عن نواياه الحقيقية حين عرض أن «يتوسّط» مع السلطات المعنيّة التي كانت تريدني أن أغيّر من سلوكي المهنيّ.  

غير أنّ الشهرة التي حازها الجلبي كنصير «للناشطين والمفكرين المعارضين» أتت أكلها عندما وقف الكثيرون داعمين له عام 1989 حين انقلبت عليه السلطات الأردنيّة ووضعت يدها على بنك البترا وأدانته باختلاس 300 مليون دولار أمريكي، وهي تهمة نفاها باستمرار.

صدر حكم بالإدانة ضدّ الجلبي في الأردنّ، ولكنّه هرب من البلاد كما يروى في صندوق سيّارة، ممّا يثير شبهات كبيرة بتورّط شخصيّات بارزة في «قضية البترا»، ثم جاء دوره في الحرب العراق ليجعل منه شخصًا يصعب النيل منه.

لقد كان الجلبي رجل التناقضات بامتياز، ممّا جعل من الصعب على الكثيرين تحديد الحقيقي من الزائف في حقّه: فقد أيّد في الثمانينات إيران في حربها مع العراق، مخالفًا بوضوح سياسة الأردنّ الرسميّة، وأيّد أيضًا حصار قوات حركة أمل الشيعية اللبنانية على المخيمات الفلسطينية، مع أنّه كان يؤكد بعدالة القضية الفلسطينية.

لم يحقق الجلبي المكانة التي كان يسعى إليها في السلطة في العراق وذلك بسبب فشل السياسات الأمريكية هناك وما حدث من تبادل للاتهامات واللوم بين من راهنوا عليه في فترتي إدارة جورج بوش الابن للولايات المتحدة.

لقد قضى الجلبي في موت مفاجئ دون أي ندم على ما فعل، بل إنّه مات وهو فخور بالدور الذي أدّاه في حياته.

لقد كان الجلبي من دون شكّ مخادعًا بكل ما تعنيه الكلمة، غير أنّ تلك الدعاوى التي ترد على ألسنة وأقلام كتاب وسياسيين أمريكيين لتبرئة ساحتهم والتغطية على دورهم  بالترويج للأكاذيب والحجج التي أدت الى غزو العراق، وبالتباكي أنهم كانوا ضحايا خداع الجلبي، ليست في المقابل سوى عمليّات تضليل صفيقة ومفضوحة على أحسن الأحوال.