رأي

هل الأردن مستعد لعودة مواطنيه من الخليج؟

الخميس 06 تشرين الأول 2016
جبل النظيف عمان

بعد تحدّي الطاقة الذي ظل التحدّي الاقتصادي الأكبر للأردن في السنوات الخمس الماضية وحتى الآن، حيث كانت فاتورة الطاقة السبب الأكبر للعجز في الموازنة، قد يكون التحدّي الاقتصادي والسياسي والاجتماعي الأكبر في السنوات القليلة القادمة هو عودة الأردنيين المغتربين من الخليج.

من الواضح أن دول الخليج، وخاصة السعودية، تقوم بتغييرات كبرى بما يخص الإنفاق على المشاريع وجنسية العاملين فيها، من خلال استبدال العمالة الوافدة بعمالة محليّة يتم تأهيلها تدريجيًا. ما حصل مؤخرًا؛ من خفض للرواتب في السعودية، وإلغاء مشاريع بقيمة 20 مليار دولار، وخفض ميزانيات الوزارات، وإعلان وزارة العمل السعودية أنها ستلحق مليون و300 ألف سعودي بسوق العمل، وأن الوزارة بدأت بتحديد وظائف يُمنع غير السعوديين من العمل بها، يظهر لنا أن هناك أزمة حقيقية قادمة. هذا كلّه قبل أن نضع بالحسبان القانون الذي فرضه الكونجرس الأمريكي مؤخرًا، والذي يعطي عائلات ضحايا 11 سبتمبر الحق بمقاضاة السعودية وطلب التعويضات منها، وهو ما سيضر بالاقتصاد السعودي بشكل كبير،  كل ما سبق سيؤدي إلى عودة جزء كبير من الأردنيين العاملين في السعودية والخليج العربي لوطنهم، والسؤال هنا هو لدينا أي خطة لمواجهة الأثر الناتج عن عودتهم؟

يمكن للمغتربين الأردنيين في الخليج أن يشكلوا موردًا مهمًا لاستكمال بناء الأردن وتنميته، إن عرفنا كيف نخطط للاستفادة من خبراتهم حينما يعودون لوطنهم.

تقدّر القوة البشرية العاملة من الأردنيين في الخارج بمليون أردني أغلبهم في الخليج العربي، ومنهم 400 ألف مواطن في السعودية وحدها. ساهم هؤلاء المغتربون في الاقتصاد الوطني بشكل كبير بتحويلاتهم التي تجاوزت الـ3,3 مليار دولار في السنة الأخيرة، أي ما يقارب 12% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو رقم  يقارب مساهمة قطاع الاتصالات في الاقتصاد الوطني. وينعش هؤلاء المغتربون الاقتصاد المحليّ كل صيف بما ينفقونه في الأردن في إجازاتهم، كما أنهم ينعشون سوق العقار باستثمار تحويشة عمرهم في البيوت التي يشترونها. أبناء الأردن هؤلاء يعملون بشكل أساسي في المهن الطبية والهندسية والتعليم وتكنولوجيا المعلومات، ويحتلون مرتبة متقدمة في المهارة بين الوافدين العرب في دول الخليج. بالتالي يمكن لهم أن يشكلوا موردًا مهمًا لاستكمال بناء الأردن وتنميته، إن عرفنا كيف نخطط للاستفادة من خبراتهم حينما يعودون لوطنهم.

من الضروري أن نفكر معًا في حل منذ الآن لأبناء الوطن الذين سيعودون للأردن مع أسرهم وهم معتادون على مستوى مرتفع من الحياة والتعليم والرعاية الصحيّة. عودتهم دون خطة مسبقة لذلك ستشكل أزمة اقتصادية واجتماعية معقدّة لا يمكن حلّها لحظيًا. اليوم، نحن بحاجة أن يصبح النمو الاقتصادي 7%، بحسب رئيس الفريق الفني للاستراتيجية الوطنية للتشغيل د. عمر الرزاز، حتى نتمكن من خلق فرص عمل كافية للقادمين الجدد لسوق العمل من الجامعات والمدارس في داخل الأردن. فكيف يمكننا أن نستوعب فوق ذلك القادمين من الخليج بمتطلبات أكبر دون تخطيط كافٍ لتوفير الحلول الممكنة؟

ربما يكون جزء من هذه الحلول تعديل القوانين والتعليمات بحيث تحفّز المغتربين على فتح مشاريع استثمارية في الأردن بتسهيلات واضحة ومحددة. من الممكن أن يكون ذلك من خلال تعديل قانون صندوق الاستثمار الأردني، الذي تم إقراره بتسرّع شديد مؤخرًا، ليراعي المستثمرين الأردنيين المقيمين في الخارج ويعطيهم نفس الحوافز التي أعطيت للمستثمر الأجنبي من إعفاءات ضريبية وجمركية.

من الضروري أيضًا إيجاد طرق لتشجيع المغتربين على الاشتراك الاختياري في الضمان الاجتماعي، حيث يبلغ عدد المشتركين اختياريًا اليوم من العاملين داخل الوطن وخارجه 129 ألف مشترك، مما يعني أن هناك مئات الآلاف من الأردنيين خارج الوطن ليس لديهم أي نوع من الضمان في حال عودتهم أو تقاعدهم. إن تحفيز هذا العدد الكبير من المغتربين على الاشتراك الاختياري يقوّي مؤسسة الضمان الاجتماعي من جهة، ويحميهم لدى عودتهم إلى وطنهم من جهة أخرى. بالإضافة لذلك، علينا تفعيل دور وزارة الخارجية لخلق نوافذ استثمارية تقدّم الخدمات والمشورة للمغتربين حول ما يمكنهم القيام به في وطنهم لتأمين مستقبلهم بعد العودة.

ولنضع بالحسبان أن ما سبق من التحديّات المتعلقة بخلق فرص العمل لن تكون هي الوحيدة في هذه الحالة، فهناك العبء المتوقع على المدارس والمستشفيات والكهرباء، وارتفاع أسعار العقارات، والضغط على استهلاك المياه، وكل ذلك يحتاج أيضًا لتخطيط واعٍ للتحدي الذي يواجهنا.

لقد تم التطرق للتحديات التي يواجهها المغتربون في مؤتمر الأردنيين في الخارج الذي عقد في البحر الميت في العام الماضي. وكان من بين التوصيات ما يتعلق بالتأكيد على أهمية تعزيز البيئة الجاذبة للاستثمار وأن يلمس المستثمرون ذلك بشكل عملي وعلى أرض الواقع، وصياغة تشريعات وسياسات مالية ومصرفية ملائمة تزيد من قدرة تنافسية الاقتصاد الوطني وتحقق التنمية بشكل مستدام، وتساهم في استقطاب أموال المغتربين للاستثمار في المملكة وإنشاء صندوق استثمار وشركات قابضة وغيرها من المشروعات كأدوات استثمارية لاستقطاب مدخرات المغتربين، وتوفير فرص استثمارية جماعية لهم من شأنها أن تعود بالفائدة عليهم وتسهم في خدمة التنمية والاقتصاد الوطني.

لكن لم يتم وضع خطة تنفيذية لتطبيق التوصيات أو التطرق فعليًا لتحدي احتمال العودة غير المخطط لها ولم يتم وضع هذا الخطر كحافز لتشجيع الأردنيين على الاستثمار في وطنهم ليكونوا قادرين على مواجهة هذا التحدّي الذي أصبح أكثر قربًا وجديّة، ويعيش الكثير من أبناء الوطن تحت وطأته دون أن يكون أمامهم خيار واضح لمواجهته. ربمّا ستكون هناك كلفة لتنفيذ أي خطة لمواجهة هذا التحدّي، لكن كلفة الانتظار وعدم التخطيط ستكون بالتأكيد أكبر.

بالطبع، ليس هناك حل سحري لأي مشكلة، لكن بجهد جماعي منظّم يستفيد من التجارب السابقة ويدرس المعطيات التي حصلت على سبيل المثال بعد حرب الخليج المرتبطة بعودة المغتربين وقتها يمكن أن يجعلنا نقلل الأثر السلبي لعودة المغتربين ونستفيد من طاقاتهم وكفاءاتهم وتجاربهم في بناء أردن منتج مستدام ومزدهر.