رأي

أين أخطأ تيسير النجار؟

الأربعاء 09 تشرين الثاني 2016
ابن تيسير النجار يرفع صورة والده خلال وقفة سابقة نظمتها عائلته للمطالبة بإطلاق سراحه، أمام السفارة الإماراتية في عمان. تصوير عز الدين الناطور.

بقلم محمود عبد الله

في ٣١ تشرين الأول الماضي، نظّمت عائلة الصحفي تيسير النجار وقفة احتجاجية أمام السفارة الإماراتية في عمّان، بسبب مواصلة السلطات الإماراتية اعتقال ابنها. رغم غيابه لأكثر من 300 يوم، تظهر الصور أن الوقفة كانت هزيلة العدد جدًا، حتى قبل أن ينهيها الأمن بحجّة عدم تبليغ منظميها لمحافظة العاصمة قبل عقدها.

ورغم هذه الأيّام الثلاثمئة، لا زلت أشعر بحاجة إلى تعريف القارئ، الأردني قبل غيره، بمن هو تيسير النجار، لكي أتمكن من المتابعة، محاولًا الإجابة على سؤال: ما هو الخطأ الذي ارتكبه؟

تيسير النجار صحفي أردني، وبحسب، موقع عربي 21، فقد «اعتقل جهاز المخابرات في مدينة أبو ظبي النجار (…) في 13 كانون الأول/ ديسمبر 2015، دون توجيه أي تهمة له أو إحالته للمحاكمة من قبل السلطات الإماراتية التي نقلته إلى سجن الوثبة الصحراوي، على خلفية منشور له على موقع «فيسبوك» نشره خلال الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2014، انتقد فيه موقف الإمارات من العدوان وتعاونها مع مصر لتدمير الأنفاق بين مصر وغزة، كما تقول زوجته ماجدة الحوراني».

هل فكّر النجار كثيرًا عندما كتب ذلك البوست؟ هل فعل مثلما أفعل أنا الآن هنا، أكتب ثم أمحو، أكتب ثم أقرأ ما كتبته فأكتشف أنه من الممكن أن يودي بي إلى مكان لا أحبّذ الذهاب إليه؟ لا أعلم، لكنه كتب البوست، وربما قرأه العشرات، ومن ثم تابع حياته، كأي شخص آخر.

وبعد فترة من الزمن، يسافر النجّار إلى الإمارات للعمل، وليس هذا بالأمر المستغرب. عندما تعيش في بلد فقير، وتتاح لك فرصة العمل في الخليج، وفي الإمارات تحديدًا، فأنت لا تفكر كثيرًا، ولا تسأل نفسك هل أذهب أم لا، فالإجابة على سؤال كهذا، معروفة سلفًا.

منذ اعتقال النجار، كان حجم التضامن مع قضيته يقترب من الصفر في الحجم، ويؤول إلى الصفر من حيث الأثر.

هل تذكّر النجار بوسته القديم الذي كتبه وقت الحرب على غزة؟ هذا أيضًا سؤال لن نعلم إجابته قريبًا. لكن، لو كنت مكانه، هل ستفكر بهذه الأشياء؟ دولة رياديّة مثل الإمارات، بميزانية بأرقام فلكية، ووعود من عوالم أخرى، هل يمكن أن تضع رأسها برأس بوست على فيسبوك؟ مستحيل.

لكن في زمننا هذا، المستحيل ليس إماراتيًا. بالتالي، يبدو أن أحدهم قد غضب مما كتبه النجار، فاعتُقل على إثر ذلك، ليظل منذ أكثر من 300 يوم معتقلًا وبعيدًا عن أطفاله وزوجته وعائلته.

رغم حجم الغرابة الواردة في القصة أعلاه، إلّا أن ما حدث خلال هذه الأيّام الثلاثمئة، في الأردن، أغرب. فمنذ اعتقال النجار، كان حجم التضامن مع قضيته يقترب من الصفر في الحجم، ويؤول إلى الصفر من حيث الأثر.

وعلى مدى 300 يوم من الاعتقال، كان الكلّ غائبًا، اللهم إلّا من بضعة كلمات على السوشال ميديا. كانت الصحف الرسمية تواصل مهمّتها في تدبيج عبارات استقبل وهنّأ وبارك وحذّر، وكانت المواقع الصحفية الإلكترونية التي تبث من كل زنقة وحارة وحيّ تواصل عملها في تعريف القارئ على ميريام كلينك أسوة بمجلس النواب اللبناني. أمّا نقابة الصحفيين فتعذّرت بأن «الظروف لم تكن مناسبة» للاعتصام في الفترة الماضية. وبالنسبة لرابطة الكتاب، الجسم الأكثر قدرة على خوض معارك مع طواحين الهواء، فواصلت ما تجيده دومًا، الغياب.

وبالنسبة لنشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، فكانت الأشياء أسهل، تذكّرْ الرجل في كل شهر مرّة، وكان الله بالسر عليمًا. انتقدْ وزارة الخارجية. تحدثْ عن مقولة «الإنسان أغلى ما نملك»، ثم واصل المناكفات على فيسبوك وتويتر حول الدولة المدنية أم الدولة الإسلامية، وانشغل بأداء الأستاذة ديمة طهبوب على تويتر، وتحدّث عن الستين إنشًا التي يملكها الأردني، بكل فخر.

هل قصرنا كنشطاء وصحفيين ومجتمع أردني بحق تيسير النجار؟ بالنسبة لي، فالإجابة نعم. وأظن أن سبب هذا الضعف المقيت في التضامن مع النجار مردّه إلى سوء حظّه.

الحظ السيء قاد النجّار إلى الحديث حول الإمارات. أعني كان بإمكان الرجل أن ينتقد مصر، أوليست هي التي تغلق المعبر، وتغرق الأنفاق، وتحارب المقاومة وتحرّض عليها؟ من السهل التهجم على دور القيادة المصرية، في عهد السيسي خصوصًا، من دون أن يخشى أحدنا أي عواقب لهذه الفعلة، فلا مدّع عام سيرفع عليك قضية الإساءة إلى دولة شقيقة، ولا صور سياخذها مخبرون لحسابك ليوضع اسمك في مطار القاهرة ليتم اعتقالك بمجرّد وصولك. لأنه ببساطة، لو قامت الحكومة بسجن كل مواطن ينتقد السيسي فـ«البلد كلها حتبات في الشارع».

الحظ النجار السيء دفعه لانتقاد واحد من أكثر الخطوط الحمراء حمرةً، خط أحمر دفع الحكومة الأردنية نفسها في السابق لسجن واحد من قيادات الإخوان المسلمين في الأردن، وبسبب بوست على الفيسبوك أيضًا.

حظ تيسير النجّار كان سيئًا مرّتين، مرة عندما اختار الإمارات لينتقدها، ومرّة عندما قاده ذات الحظ ليختار هذا التوقيت.

لا تقلّ السعودية عن الإمارات أهمية بالنسبة لصانع القرار في الأردن، ولكن ورغم هذه الأهمية التي تجعل الأردن الرسمي يشارك السعودية في سياستها الخارجية، ويتحالف معها جدًا، إلّا أنه كان يمكن لمواطن أردني اعتقل في السعودية أن يحلم بأن أحدًا ما سيخرج إلى الشارع للمطالبة بحرّيته. هذا ما حصل مع الناشط السياسي خالد الناطور الذي اعتقال في السعودية لتسعين يومًا. وقتها، وعلى خلاف ما يحدث مع تيسير النجار، عرف الكثيرون عن خالد الناطور، سمعوا اسمه، رأوا صورته، وربما تضامنوا معه.

لماذا حصل هذا مع خالد الناطور ولم يحصل مع النجار؟ ربما يكون الجواب معقّدًا، لكنني أظن أن جزءًا من الإجابة يكمن في التوقيت، في حالة خالد، كان الربيع العربي على قيد الحياة، ربما كان يلفظ أنفاسه الأخيرة إلّا إنه كان حيًّا. أما بعد انكسار الربيع العربي، والسيسي، وداعش، فبات النزول إلى الشارع، حتى لقضايا تشهد إجماعًا وطنيًا، أمرًا صعبًا، ويتطلب تنسيقًا واجتماعات، وموافقات لا آخر لها. فما بالك بقضية صحفي أردني ما في الإمارات؟

مشكلة تيسير النجّار تكمن في انتقاده ما نجبن، حتى قبل أن نخاف من تهمة الإساءة إلى علاقة الأردن بدولة صديقة، من الحديث عنه، لأننا، في مكان ما من وعينا الفردي والجمعي، نأمل أن نعمل يومًا ما في الإمارات.

يفكر أحدنا «تذهب إلى الإمارات، تحصل على راتب شهري يعادل راتبك في الأردن على مدى سنة. تشتري سيّارة رباعية الدفع بثمن أفانتي في الأردن. تسكن في بيت قريب من الشاطئ، وترسل في نهاية كلّ شهر مبلغًا لأهلك في عمّان. وبعد عشر سنوات، تعود إلى مدينتك، وقد اشتريت فيها بيتًا، وضمنت لأبنائك أن يدرسوا في مدرسة خاصّة جيدة، وألّا يجوعوا، إلّا في رمضان». ولهذا الخوف على مستقبل الأولاد، لا نتضامن مع تيسير النجار إلّا بصوت منخفض، وبأقل الكلمات أثرًا.

ربما يكون هذا الخوف معيبًا، خاصة إن صدر عمّن يعمل في منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان، ومن الصحفيين والكتّاب والنقابيين. لكن هذا هو ما يحدث.

وهذا الخوف ذاته، هو ما يدفعني لكي أكتب هذا المقال وأمحوه مرّة تلو مرّة، ومن ثم أقرّر أن أنشره باسم مستعار.