كيف تتخلى الأمهات الأردنيات عن وظائفهن بحثًا عن حضانة

في حضانة وزارة التنمية الاجتماعية، بعدسة حسام دعنة.

كيف تتخلى الأمهات الأردنيات عن وظائفهن بحثًا عن حضانة

الخميس 07 نيسان 2016

اضطرت آية خيري إلى الاستقالة من عملها والتخلّي عن ترقية عالية من أجل العناية بطفليها.

«بحاول ما أتطلّع على اللي خسرته عشان الحمد الله رجعت اشتغلت، ولو بمنصب أقل»، تقول خيري. «لو توفرّت حضانة بمؤسستي كان ميّة بالميّة ما تركت».

تعد نسبة المشاركة الاقتصادية للمرأة في الأردن من الأدنى في المنطقة، إذ تشكل النساء ما نسبته 15.6% فقط من مجموع المشتغلين الأردنيين، بحسب دائرة الإحصاءات العامة. وتدخل عوامل عدة في قائمة أسباب انسحاب المرأة من سوق العمل؛ بعضها مُجتمعيّ كتحكّم ذكور العائلة بمصير النّساء ومنعهنّ من العمل، وأخرى لوجستيّة واقتصاديّة كعدم توّفر نظام مواصلات آمن بأسعار معقولة، وتدني أجورالنّساء. لكن إنجاب الأطفال يبقى سببًا أساسيًّا يدفع الأمّهات إلى العزوف عن العمل لتربية الأطفال والاعتناء بهم.

وبالرّغم من أنّ مسؤوليّة تربية الأطفال لطالما عُيّنت تقليديًا للنساء كواجب أساسي، إلّا أنّ تغير المعطيات المعيشيّة عزز المكانة الاقتصاديّة للمرأة؛ إمّا على صعيد الدّولة من حيث زيادة الناتج المحلّي، أو على صعيد مدخول الأسرة الشّهري. ولذلك تُعتبر الحضانات المؤسسيّة ذات قيمة مفصليّة في مُساندة الأمّ العاملة، وحلًّا للتحدي الناتج عن تعدّد مسؤوليّاتها.

تنصّ المادة 72 من قانون العمل الصادر عام 1996 أنّ على كل صاحب عمل يوجد في شركته عشرون عاملة متزوجة وعشرة أطفال تقلّ أعمارهم عن أربع سنوات، تهيئة مكان مناسب لرعاية الأطفال. وبينما تنطبق هذه المادّة بحسب وزارة العمل على 907 شركة خاصة، إلّا أنّ 89 منها فقط مُلتزمة.

تُعاقَب الشركة المُخالِفة بدفع غرامة لا تقل عن خمسين دينارًا ولا تزيد عن المئة دينار، بموجب المادّة 139 من نفس القانون. كما وتتيح الفقرة ب من المادّة 9 الصلاحية للوزير لـ«إغلاق المؤسسة لحين إزالة المخالفة أو صدور قرار المحكمة بشأنها»، ولكن لم تُغلق أيّة مؤسسة مُخالفة لهذه لمادّة إلى حد الآن.

«قد يصدر عن الإغلاق ردة فعل عكسيّة تُحفّزعلى التمييز ضدّ تشغيل المرأة حيث أنّ أصحاب العمل محكومون بحدٍّ أدنى من عدد العاملات»، تقول أسماء أبو عصبة، رئيسة قسم التوعية في مديرية عمل المرأة في وزارة العمل. «لقد بدأنا بالتعامل مع الموضوع بمراحل الإقناع والضغط والّتوعية، لأنّ المادّة لم تكن مُفعلّة إلّا حديثًا».

تضيف أبو عصبة أن البنية التحتية لمعظم المؤسسات ليست مهيّئة لضم حضانة، لذلك تعطيهم الوزارة مُهلة. وقد تأخذ إجراءات ترخيص الحضانة أشهرًا طويلة لأنّ هنالك عدّة جهات تتحكّم بالتّرخيص إضافة إلى وزارة التّنمية، مثل الدّفاع المدني والأشغال العامّة ووزارة الصّحة.

«إن كان جميعُ موظفيّ رجالاً، فهذا لن يمنعني من إنشاء حضانة، لأنّني أريد أن أساعد الرّجال وأريدهم أن يرعوا أطفالهم أيضاً».

أمّا بالنسبة للقطاع العام، فهو تابعٌ لنظام الخدمة المدنيّة الّذي لا يُلزم بإنشاء دور حضانة. ولكن تعميمًا وزاريًّا صدر العام الماضي يلّح على المؤسسات الحكوميّة أن تنشئ حضانات لأطفال العاملات فيها أسوة بنظيراتها في القطاع الخاص. ومن مؤسسات القطاع العام التي عملت على تفعيل وجود حضانة في مكان العمل وزارات العمل والتّنمية الإجتماعيّة والأشغال العامّة بالإضافة إلى أمانة عمّان، ومستشفى الأمير حمزة ومستشفى الجامعة الأردنيّة وغيرها.

تتّبع بعض الشركات أسلوب توزيع البدل النّقدي على العاملات في حال عدم وجود حضانة، ما تعتبره أبو عصبة غير قانونيّ، قائلة أنّ تخفيض التّكلفة على الأمّهات ليس الهدف الرّئيسي من تأسيس حضانة، فتوفير الوقت والجهد والمواصلات إضافة إلى الحفاظ على الرّضاعة الطّبيعيّة غايات جوهريّة لا تلبّى في حال تمّ دفع التعويض.

تحدّي إيجاد حضانة

المنسحبات من سوق العمل-02تشير دراسة لمؤسسة الضمان الاجتماعي والمجلس الأعلى للسكان بعنوان «انسحاب المرأة من سوق العمل الأردني» والصادرة عام 2015، أنّ 94% من 453 امرأة انسحبن من العمل في القطاع الخاص، لم تتح لهن حضانة مؤسسيّة. كما وتُظهر الدراسة أنّه من أصل 580 امرأة انسحبن من العمل، 40% لديهنّ أطفال تحت سنّ السادسة.

تمكّنت ميس كايد، مديرة مركز خدمات المشتركين في شركة زين، من التوفيق بين عملها وأطفالها بفضل وجود حضانة في موقع عملها. ترى كايد طفلها أربع مرّات في اليوم خلال الاستراحة وساعة الرّضاعة المنصوص عليها في قانون العمل.

«عندما يتزامن طموح المرأة المهنيّة مع وجود طفل، يصبح الأمر صعبًا جدًا» تقول كايد. وتعتبر أم الأطفال الأربعة أنّ الخيارات المُتاحة في حال عدم وجود حضانة غير مُجدية؛ لأنّ ترك الأطفال عند الجدّة والجد لم يعد عمليًّا مع ساعات العمل الطويلة التي قد تصل إلى ثمان وتسع ساعات. أمّا الحضانات الخارجية فمُكلفة جدًّا.

أمّا رانيا، أمٌ لطفلين، فاستطاعت بصعوبة أن تحافظ على عملها ورعاية أطفالها بنفس الوقت. «عندما كان عمري 28 سنة، وكنت قد عملت خمس سنوات وقد بدأت للتو أجني نجاح عملي، أنجبت طفلي الأوّل» تقول رانيا. «بحثت عن حضانات ولكنّها كانت مُكلفة جدًّا. لم يكن لديّ حل إلّا أن أضع طفلي عند والدتي وهذا القرار كلّفني كثيرًا إذ لم نملك أنا وزوجي إلّا سيارة واحدة مما اضطرّنا أن نقطع مسافة 17 كيلومتر بشكل يوميّ مرتيّن. لم يكن ذلك سهلًا».

المنسحبات من سوق العمل-01 (1)دفعت الظّروف رانيا للبحث عن طرق بديلة، فلجأت لوضع ابنتها عند إحدى جاراتها الّتي تُدير حضانة منزليّة. تُعتبرالحضانات المنزليّة مُخالفة للقانون ولا يُمكن ترخيصها لأنها لا تخضع لتعليمات وزارة التّنميّة. وتُنبّه راينا قائلة أنّ «البيوت بشكل عام ليست آمنة للأطفال، ولذلك لو لم أكن أعرف جارتي وأثق بها لما وضعت ابنتي في حضانة منزلية».

الحضانة ضرورة للآباء كما للأمهات

عملت مجموعة من المنظمات الحقوقيّة واللجان النسويّة على مشروع تعديل المادة 72 من قانون العمل والذّي تمّ إقراره من قبل لجنة العمل النّيابية عام 2014 ويُنتظر مناقشته تحت القّبة.

وينصّ التعديل الذّي اقترحته حملة «صداقة – نحو بيئة عمل صديقة للمرأة»، واللجنة الأردنية للإنصاف في الأجور، ومُنظمّة العمل الدوليّة بالإضافة إلى جهات أخرى على ثلاث نقاط رئيسية. أولاً: شمول الرجال مع النساء بحيث يصبح واجباً على صاحب العمل توفير حضانة بغض النظر عن جنس العاملين. وفي هذا الصّدد تقول ريم أصلان، الشريك المؤسس لحملة صداقة، أنّ إشراك الرّجال مهمٌّ لأنّ تربية الأطفال ليست مسؤولية النساء فقط بل مسؤولية الطّرفين.

وفي ذات السّياق تقول ماري نزّال، رئيسة مجلس إدارة فندق لاندمارك، «إن كان جميعُ موظفيّ رجالاً، فهذا لن يمنعني من إنشاء حضانة، لأنّني أريد أن أساعد الرّجال وأريدهم أن يرعوا أطفالهم أيضاً».

التعديل الثاني هو إلغاء الحدّ الأدنى لعدد العاملين كشرط لتطبيق المادّة، حيث أنّه قد ينعكس سلباً على إشراك المرأة في سوق العمل إذ أنّ بعض الشركات تحرص على إبقاء عدد النساء أقل من عشرين.

أما التعديل المقترح الثالث فهو إتاحة الفرصة لإنشاء حضانات ضمن منطقة جغرافية مشتركة بين شركتين أو أكثر. ويهدف هذا التّعديل إلى التسهيل على الشركات ممّا سيفيد قطاع البنوك بشكل خاص على حدّ قول أصلان إذ أنّ لكلّ بنك فروعًا عدّة ومن غير المُجدي إنشاء حضانة في كلّ فرع.

أسباب تقاعس الشّركات

قد تكون تساهلات الوزارة والغرامة الضئيلة أسبابًا في عدم أخذ المسألة بجديّة، ولكن في نفس الوقت تُواجه الشّركات مشاكل حقيقيّة وتخوّفات واقعيّة تمنعها من تطبيق المادّة بسهولة، كعدم توّفر المكان أو الخبرة الفنيّة المُناسبة لتأسيس حضانة، إضافة إلى الكُلفة الباهظة، والمسؤوليّة واحتماليّة تعطّل أجواء العمل.

المجلس الوطني لشؤون الأسرة أطلق مشروع «دعم وتفعيل إنشاء الحضانات في القطاع الخاص لتحفيز المرأة على المشاركة في سوق العمل»، الذي يهدف لإنشاء 80 حضانة من خلال مساعدة الشركات لتأسيس حضانة وتغطية 50% من رواتب العاملات في الحضانات لمدّة 12 شهر.

قبل إفتتاح الحضانة في الجامعة نهاية العام الماضي كان الكثيرون يتوقعون أن يكون لقرب الطّفل أثر سلبيّ على إنتاجيّة الأم، ولكن ثبت العكس تماماً

تقول الدكتورة أسيل شوارب، رئيسة قسم العلوم التربوية في جامعة البتراء، أنّه وقبل افتتاح الحضانة في الجامعة نهاية العام الماضي كان الكثيرون يتوقعون أن يكون لقرب الطّفل أثر سلبيّ على إنتاجيّة الأم، ولكن ثبت العكس تمامًا، بحسب شوارب. فعندما يكون الطفل على مقربة من أمّه تكون مطمئنّة عليه ممّا يزيد من إنتاجيّتها.

ولربما ما حفّز الجامعة على اتخاذ هذه الخطوة، إضافة إلى دعوات حملة صداقة، تَوفر موقع ملائم وفريق مختص. فتضيف شوارب أنّ العمل على المشروع تمّ بالتعاون مع قسم العمارة لإعادة تأهيل المبنى، وقسم التربية والطفل.

لكن، لا تحظى كلّ المؤسسات بكادرعمل مُختص ومكان ملائم بهذه السهولة. تقول نزّال أنّه بالرغم من إيمانها المُطلق بضرورة تأسيس حضانة في الفندق إلّا أنّ إجراءات لوجيستيّة عرقلت العمليّة وأخّرت التّنفيذ.

توضح نزّال أنّها في البداية لم تحصل على ترخيص لإنشاء حضانة لأنّ وضع الفندق لا يتماشى مع المادّة 8 من تعليمات ترخيص الحضانات المؤسسيّة الصّادرة عن وزارة التنمية الاجتماعيّة والتي تُلزم بتواجد الحضانة في الطابق الأرضي أو التّسويّة.

«فندقنا قديم ولذلك لا يتوّفر لنا مكان في الطّابق الأرضي»، تقول نزّال. وبينما تستثني المادة الثامنة المؤسسات التي لا يتوفر فيها طابق أرضي، تشترط في الوقت ذاته تنسيبًا معللًا من لجنة دور الحضانة. «قلت لحملة التفتيش أنّ باستطاعتي أن أستخدم أيّة منطقة أخرى من الفندق، وافقوا على ذلك ولكننا لم نستلم الموافقة النهائية لغاية الآن».

التّكلفة والمسؤوليّة

الهاجس الآخر الذي يطرأ على بال صاحب العمل هو التُكلفة الباهظة والمسؤوليّة.

تعتبر رندة نفّاع، الشريك المؤسس لحملة صداقة، أنّ تكلفة الحضانة استثمار للشركة لأنّ «رفع الإنتاجيّة للأم [بحكم وجود طفلها بجانبها] يصبّ بشكلٍ مُباشر على الأرباح»، كما وأنّ الحدّ من استقالة الأمّهات يقلّل من الدوران الوظيفي المُكلّف.

وتتفّق أبو عصبة بقولها أنّ وجود حضانة «يُقلّل من المغادرات والإجازات ويزيد ولاء وانتماء العاملين إلى الشركة».

«كان لديّ مخاوف في البداية»، تقول زينب الشّوابكة مديرة شؤون الموّظفين في مصنع ريتش باين في إربد. «شعرت بالمسؤوليّة تجاه تهيئة مكان ملائم لاستيعاب أطفال في بيئة صحيّة، فتحمّل مسؤولية الأطفال شيء كبير خاصة في عالم المصانع». ولكن الدعم التقنيّ والفنيّ الذي قدمتّه لها وزارة العمل وحملة صداقة ساعد الشّوابكة وأثبت لها أنّ الموضوع أسهل من ما تخيّلت، بحسب قولها.

«قبل إطلاق الحضانة كانت الأمّهات تستقلن لرعاية أطفالهنّ لأن الخيارات الأخرى مُكلفة ماديّاً أو غير عمليّة»، تقول الشّوابكة، «أمّا بعد الحضانة فأصبح بإمكاني جذب عاملات أردنيّات بشكل أكبر… فتمّ توظيف أربع نساء حوامل هذا الشّهر، كما وأنّ بعضًا من العاملات اللّواتي استقلن من أجل رعاية أطفالهنّ قد عدن إلى العمل».

الصورة من حضانة وزارة التنمية الاجتماعية، بعدسة حسام دعنة.

تم إعداد هذا التقرير بالتعاون مع منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان (JHR).