الفلسفة تعلّم الأطفال ما تعجز عنه جوجل

الثلاثاء 28 شباط 2017

بقلم شارلوت بليز. ترجمة: أيمن الحسيني

(نشر هذا المقال بالإنجليزية في صحيفة الجارديان في ٩ كانون أول).

بعد أن أضحت الآلة تقوم بوظائف البشر وتراجعت قيمة المعرفة، بات البشر في حاجة إلى إعادة اكتشاف التفكير المرن. الأمر الذي يبدأ من المدارس.

تجدها في أجهزة تحكم السيارات بدون سائق، أو على الطرف الآخر من الهاتف عند اتصالك بالبنك أو بمتجرك المفضل: جميعنا يعلم أن الروبوتات قادمة، وفي كثيرٍ من الحالات أصبحت تتواجد بيننا بالفعل. بالعودة إلى عام 2013، أشارت تقديرات لاقتصاديين بكلية مارتن في جامعة أوكسفورد أنه خلال العشرين عامًا المقبلة، أكثر من نصف الوظائف كافة سيتم الاستعاضة عنها بالتقنية الذكية. سواء أحببت نمط العيش المتوقع بمساعدة الروبوت أم كرهته، من الحُمق إنكار أن أطفال المدرسة اليوم سيشهدون سوق عمل مختلف تمامًا في الغد – ذلك إن كانوا محظوظين. وبعيدًا عن جدال استعادة الوظائف من الصين، يتنبأ علماء المستقبليات أن الوظائف المكتبية التي تتطلب جهدًا ذهنيًا ستُعهَد بصورة متزايدة إلى التقنية الرقمية لإنجازها، جنبًا إلى جنب نظيرتها من وظائف الطبقة الكادحة.

كيف ينبغي على التربويين إعداد الشباب للحياة المهنية والمدنية في عالمٍ رقمي؟ إن الاحتجاج ورفع الصوت وحدهما لن يُجديا نفعًا. وكذلك مضاعفة الاستثمار في المواد الدراسية للعلوم والتقنية والهندسة والرياضيات (STEM) لن يُسهم في حل المشكلة هو الآخر: فالتعليم التقني يُعاني من أوجه قصور في الخيال.    

في المستقبل القريب، سيحتاج خريجو المدارس لمهاراتٍ مختلفة. في عالمٍ يضيق بالخبرات التقنية على نحوٍ متزايد، ستُصبح قيمة المهارات والثقة اللازمة لتجاوز التخصصات العلمية لا تُقدّر بثمن. سنحتاج أُناسًا جاهزين لطرح الأسئلة التي لا يمكن البحث عنها في جوجل وللإجابة عليها: مثل ما هي التداعيات الأخلاقية لجعل الماكينات تعمل آليًا؟ ما هي العواقب السياسية للبطالة الجماعية؟ كيف ينبغي علينا توزيع الثروة في مجتمع مُرقمَن؟ نحتاج كمُجتمع أن نشتبك فلسفيًا بصورة أكبر.   

وسط الأجواء السياسية المليئة بالريبة لعام 2016، قدّم الرئيس الأيرلندي مايكل دي هيجنز نموذجًا قياديًا في هذه المسألة. إذ قال في نوفمبر أن «تدريس الفلسفة يُعد واحدًا من أقوى الأدوات التي بحوزتنا لتمكين الأطفال من التصرف بوصفهم فاعلين يتمتعون بالحرية والمسؤولية في عالمٍ أكثر تعقيدًا وتشابكًا وريبةً من أي وقتٍ مضى». وأكّد على أن تعليم الفلسفة في الفصول المدرسية «يمهّد الطريق لثقافة ديمقراطية إنسانية ونابضة بالحياة».

تساعد الفلسفة الأطفال – والكبار – على تفسير الأسئلة واستشراف إجاباتٍ لا يسهُل استخلاصها عبر التأمل الذاتي أو عبر تويتر.

في عام 2013، وبينما عانت أيرلندا من التأثيرات اللاحقة للأزمة المالية، أطلق هيجنز مبادرة على مستوى البلاد تدعو لفتح نقاشٍ بشأن ما يثمّنه المجتمع الأيرلندي. والنتيجة كانت تقديم الفلسفة لأول مرة في المدارس الأيرلندية بدايةً من أيلول.  

مساق جديد اختياري مخصص لمَن هُم بين الثانية عشر والسادسة عشر من العمر، يدعوهم للتفكُر في أسئلة ظلّت – وما زالت – غائبة بشكلٍ صارخ عن المناهج الدراسية. في المملكة المتحدة، ما تزال شبكة من الفلاسفة والأساتذة تضغط بشدة لاستحداث مادة مُعادلة ضمن الشهادة العامة للتعليم الثانوي (GCSE). وها هي أيرلندا، الأمة التي اعتُبرت يومًا «أكثر دولة كاثوليكية»، تستشرف سُبل الإصلاح لتؤسس للفلسفة للأطفال كمادة دراسية ضمن المدارس الابتدائية.   

هذا التوسُع في تناول الفلسفة ضمن المناهج الدراسية هو أمرٌ دعا إليه صراحةً هيجنز وزوجته سابينا – وهي خرّيجة الفلسفة. يتمتّع هيجنز برؤى سابقة على عصره. وإذا كان التربويون يفترضون أن الفلسفة لا طائل منها، فمن الإنصاف القول أن غالبية الفلاسفة الأكاديميين (على عكس علماء الرياضيات أو اللغة مثلًا) ما يزالون أسرى حقلهم المعرفي، أو يجهلون جدواه خارج حدودهم المغلقة. فإذا كان التربويون بحاجة للتحلي بالحكمة، فإن الفلاسفة يحتاجون للتغلب على أنفسهم.

إن التفكير والرغبة في الفهم لا نكتسبهما بصورةٍ طبيعية – على النقيض مما اعتقده أرسطو. إذ على العكس من الجنس أو النميمة مثلًا، لا تُعد الفلسفة محل اهتمامٍ عالمي. قارب برتراند راسل هذه المسألة عندما قال أن «أغلب الناس يفضّلون الموت على التفكير؛ والكثير منهم يفعل ذلك». وفي حين أننا جميعًا قد نمتلك  القدرة على التفلسف، إلا أنها قدرة تتطلب تدريبًا ودفعةً ثقافيةً. وإذا كان تحصيل العلم يتطلب تدرُجًا معرفيًا، مثلما يُحاجج الفيلسوف الأميركي روبرت ماكولي، فإن الأمر ذاته ينسحب على الفلسفة.

الفلسفة صعبة. فهي تقتضي ما يُماثل ضعفي عملٍ شاقٍ تحت إشرافٍ صارم. وتحتاج منا تجاوز العثرات والتحيزات الشخصية في التفكير. يستلزم ذلك حوارًا متسامحًا، وتخيُل وجهات نظرٍ متباينة ووزنها في نفس الوقت. تساعد الفلسفة الأطفال – والكبار – على تفسير الأسئلة واستشراف إجاباتٍ لا يسهُل استخلاصها عبر التأمل الذاتي أو عبر تويتر. في أفضل حالاتها، تضع الفلسفة الأفكار، وليس الأنا، في صدارة المشهد وفي مركزه. إن ضعف الفلسفة هذا – وعدم بساطتها – هو تحديدًا ما يجعلها بحاجة لأن تكون جزءًا لا يتجزأ من الفضاءات العامة، وليس فقط المدارس.

لن تقوم الفلسفة باستعادة الوظائف. فهي ليست علاجًا شاملًا لويلات العالم الحالية أو المستقبلية. لكنها بإمكانها تشييد مناعة ضد الأحكام الطائشة، واليقين الراسخ غير المحدود. وجود الفلسفة في مدارسنا من شأنه أن يحملنا بصورةٍ أفضل على الفهم، وعلى تحدّي المعتقدات التقليدية لعصرنا. ربما من غير المفاجئ أن يكون رئيس أيرلندا، وهي دولة كانت يومًا تتبع حُكمًا ثيوقراطيًا، على دراية بهذا الأمر.