رأي

الجوردن تايمز في عيدها الأربعين

الأربعاء 04 تشرين الثاني 2015
Jordan times

تستحق يومية «الجوردن تايمز» افتخار الأردنيين ببصمتها الاستثنائية على خارطة الصحافة الأردنية وهي تحتفل بعيدها الأربعين. كما تستحق دعم الدولة الأردنية بمكوناتها الرسمية والشعبية، لأنها استطاعت الصمود في أرض وعرة وبيئة مالية صعبة، محافظة على مكانتها كمدرسة رائدة تحتضن تقاليد الصحافة المحترفة قدر المستطاع وترفع قيم الحرية والديمقراطية والتنوير الاجتماعي والانفتاح التعليمي الذي نحتاجه جميعًا.

ذلك أن هذه الصحيفة نجحت بأقل الإمكانات في توطين هذه التقاليد وتخريج أجيال من الإعلاميين المستقلين وكتاب زوايا محترفين وجيش من الدبلوماسيين الناجحين والوزراء المتميزين. وخرّجت أيضا نشطاء مجتمع مدني يدافعون عن قضايا حقوق الإنسان والمرأة والطفل، بدل أن ينحصر دورها في أن تكون منبر علاقات عامة للحكومات باللغة الإنجليزية وترجمة حرفية لشقيقتها «الرأي» لجمهور محدود.

الصحيفة نجحت بأقل الإمكانات في توطين هذه التقاليد وتخريج أجيال من الإعلاميين المستقلين وكتاب زوايا محترفين

صمدت أسرة تحريرها أمام جبال من التحديات: صعوبة المحافظة على مراسليها ومحرريها الأكفاء والمخضرمين نتيجة تدني مرتباتها مقارنة مع المتطلبات اللغوية والتحريرية وضغط العمل اليومي، أزمتها المالية المستمرة وضعف تقدير غالبية أعضاء مجالس الإدارات التي تعاقبت على المؤسسة الصحفية الأردنية، وبخاصة بعد رحيل جيل الآباء المؤسسين، أمثال الراحلين محمود الكايد وجمعة حماد.

نجاتها بحد ذاته أعجوبة في زمن «الإعلام المرعوب» وتداخل المرجعيّات التي تدير ملف السلطة الرابعة إلى جانب تراجع مناسيب الحريات العامة مقابل تنامي الرقابة الذاتية تحاشيًّا للمساءلة القانونية، واعتياد الرضوخ لتشريعات وتعليمات مسلطة على رقاب من اختار مهنة المتاعب؛ بما فيها قانونا المطبوعات والنشر ومحاربة الإرهاب. وأخيرًا جاء قرار ديوان تفسير القوانين باعتماد قانون الجرائم الإلكترونية لدى التعاطي مع تهم القدح والذم في المواقع الالكترونية الإخبارية ووسائل التواصل الاجتماعي ليكمل الأنشوطة.

رئيس تحريرها الأول كان الأستاذ محمد العمد الذي أصبح لاحقًا مدير عام المؤسسة الصحفية الأردنية لسنوات. انطلقت الجوردن تايمز بدعم من الأمير الحسن بن طلال، ولي العهد آنذاك. حيث اجتمع الأمير بالعمد وطاقم الصحيفة قبل إشهارها. وحين سئل عما إذا كان يرغب في أن تكون الجوردن تايمز نسخة إنجليزية عن الرأي الحكومية آنذاك، أم صحيفة تغطي الأخبار وتنشر التقارير بأسلوب خاص بها؟ أصرّ الأمير على أن تضم المولودة الجديدة «صحافيين وليس مترجمين من العربية الى الإنجليزية».

رئيس تحريرها الثاني كان رامي خوري في الفترة بين (1975-1982)؛ وهو اليوم صاحب عامود سياسي في أهم صحف العالم ورئيس سابق لمعهد عصام فارس للسياسات العامة في الجامعة الأمريكية في لبنان. جاهد خوري لكي ينافس مضمون الجوردن تايمز محتوى الإعلام الدولي من خلال الإصرار على الحد الأدنى من الدقة، العمق والصدقية في تغطية أخبار محلّية حساسة. وكان يقول إنه حقّق «تقدمًا لا بأس به للإستمرار في مهمته».

أما رئيس تحريرها الثالث فكان جورج حواتمة، المهندس النووي، الذي استبدل الهندسة بعشقه الأبدي بعد أن تخرج من بريطانيا في السبعينيات. واصل حواتمة ترسيخ تقاليد المهنة بمعايير دوليّة في هذه الصحيفة، وكانت له عين ثاقبة في اصطياد صحافيين واعدين حلّقوا لاحقًا في سماء الإعلام الدولي. خدمة حواتمة المتقطعة في رئاسة التحرير كانت الأطول بين نظرائه. ناضل لحماية استقلالية خطها التحريري ومهنية صحافييها، ودفع مرات عدّة كلفة تحويلها من بوق للحكومة إلى سلطة رابعة مستقلة وظيفتها الأساسية الرقابة والمساءلة ونبش قضايا تهم المجتمع وتتحدى الرواية الرسمية ضمن حق النقد المباح والمتاح. خلفاء حواتمة واصلوا على ذات الخط مدعومين بمحررين وفنيين قضى بعضهم أزيد من ربع قرن من حياتهم في الصحيفة؛ أمثال إيليا نصرالله، إيكا وهبة ورنا الحسيني وهو ما ضمن إدامة قيمتها التحريريّة وثقافة التميّز الإعلامي.

صمدت الصحيفة حتى بعد أن وضعت حكومة زيد الرفاعي اليد على حاضنتها الناشرة في منتصف الثمانينيات، لتأديبها بسبب مظاهر استقلالية زائدة عن المقبول. ثم أقالت الحكومة جورج حواتمة واستبدلته برامي خوري، الذي نزع إلى الاستقالة هربًا من إملاءات السلطة. عيّن بعدهما د. وليد السعدى، الذي واجه معارضة من أسرة التحرير؛ ليس لأنهم لم يحترموه كزميل وإنما من باب تسجيل موقف للطريقة العرفية التي تعاملت بها تلك الحكومة التي أقيلت بعد هبّة معان عام 1988.

بعد حقبة جورج حواتمة الأخيرة جاء عبد الله حسنات بعد أن تدرب في الصحيفة، التي هاجر إليها من سلطة الطيران المدني للعمل مع حواتمة. ثم تبعه إيليا نصرالله وكاتبة هذا المقال (1999-2001) كأول رئيسة تحرير لصحيفة يومية سياسية في المنطقة. تعاقب على رئاسة التحرير منذ تلك المرحلة أيمن الصفدي وجنيفر حمارنة وسمير برهوم الذي استمر في رئاسة تحريرها منذ 2007 وحتى الآن.

طوال تلك العقود، عملت الصحيفة ضمن تقاليد مهنية ميّزتها عن غيرها من صحف الأردن نتيجة تعدديتها من حيث الثقافات والخلفيات والأديان. وتحولت إلى عنوان كل من يبحث عن التغطية الإخبارية والتحليل السياسي والاقتصادي المعمق والموثوق، مع أنها تأثرت أحيانًا بموجات المد والجزر تبعا للحقبات السياسية السائدة. وكذلك تراجع الحريات بعد توقيع معاهدة السلام الإشكالية مع إسرائيل عام 1994، وقبل ذلك حرب الخليج الأولى ثم الهجمات على نيويورك وواشنطن عام 2001،  وحرب الخليج الثانية فمرحلة المناكفات العلنيّة بين ما عرف برجال الحرس القديم والجديد في السنوات الأخيرة، على حساب مسار الديمقراطية والتعددية والإصلاح السياسي الاقتصادي.

تمتلك مؤسسة الضمان الاجتماعي التي يرأس مجلس إدارتها وزير العمل 55% من أسهم المؤسسة، ما يعني أن على أي رئيس تحرير الانتباه لما تطلبه الحكومة وإلا  فمصيره الإقالة، كما سبق وحدث في العام 2001 عندما أمرت حكومة علي أبو الراغب رئيس مجلس إدارة المؤسسة الصحفية بإزاحة كاتبة هذا المقال عن رئاسة التحرير لأنها رفضت الالتزام بأوامر حصر تغطية أحداث معان عقب موت شاب في مواجهة مع الشرطة، بحسب البيان الرسمي الذي نقلته وكالة الأنباء الأردنية (بترا)، ولأنها طالبت بضرورة التحقق من ادّعاءات حول ممارسات تعذيب في مركز الشرطة خلال التحقيق مع الشاب.

في الجانب المشرق، تخرّج ويتخرج من رحم الجوردن تايمز إعلاميون محترفون؛ بعضهم يعمل اليوم في الديوان الملكي ووكالات أنباء عالمية وفضائيات عربية وأجنبية وصحف مرموقة مثل النيويورك تايمز والواشنطن بوست والوال ستيرت جورنال ولوس أنجليس تايمز.

بالطبع تعاني الجوردن تايمز اليوم، كحال سائر الصحف ذات الملكية الخاصة والعامة (باستثناء الغد)، من أزمة مالية خانقة مفتوحة على احتمالات شتّى وسط تضاؤل «كعكة» سوق الإعلان وارتفاع كلفة الطباعة والورق، فضلًا عن منافسة الإعلام الالكتروني وتطبيقات الهواتف الذكية. وفشلت غالبية الصحف في استباق هذه التحديات بالتحول إلى منابر وسائط متعددة بمضمون مختلف، مدعومة بإعلان الكتروني وصفحات رأي لكتاب من مختلف الألوان السياسية والثقافية.

لكن آن الأوان لأن يتخذ مجلس إدارة المؤسسة الصحفية قرارًا استراتيجيًا للاستثمار في تطوير موقع الصحيفة الالكتروني وتدريب فريقها على استخدام الوسائط المتعددة (الملتيميديا) كيما تتمكن من الاستمرار والمنافسة، فضلًا عن منح رئيس التحرير الحق في استقطاب كفاءات تحريرية بمرتبات معقولة. وبدون استثمار في تطوير المنتج والموقع، ستستمر الصحيفة في الصدور لكن بصعوبة، وقد لا تصمد طويلًا أمام صحف ومواقع إلكترونية وفضائيات إقليمية ناطقة بالانجليزية سقفها أعلى من سقف الجوردن تايمز المتراجع، حال غالبية المطبوعات تحت مسمى حماية الأمن الوطني.

دون استثمار وتخطيط لن يتطور المضمون وآليات الوصول إلى أكبر عدد من المتلقين. وستستمر في خسارة المحررين والمراسلين، فيما يتواصل نضال رئيس التحرير وفريقه الصغير والمتعَب مدفوعًا بإرث الماضي من أجل استكمال قصة نجاح صحيفة ووسم مشع على جبين الوطن.