عاملات زراعيات في الخِيام: الركض وراء الخبز والماء

عاملات زراعيات في الخِيام: الركض وراء الخبز والماء

الأربعاء 18 تموز 2018

تصوير دلال سلامة

«الدولة بتقدر تعمل حنفية ميّ. قولولها تساويلنا حنفية». تقول شتوة الشمالات (53 سنة)، وهي تشير إلى طرف الخيمة التي تقيم فيها مع أبنائها الأربعة، حيث برميلان من البلاستيك مملوآن بالمياه التي تستخدمها العائلة للاستحمام وغسل الملابس والأواني. وفوق البرميلين قارورة لمياه الشرب، خاطت لها ثوبًا من القماش، كي يحفظ الماء من الحر.

خيمة شتوة، واحدة من 18 خيمة تشكّل مخيّمًا صغيرًا أقامته في أرض خالية في منطقة القسطل جنوب عمّان، عاملات مياومة زراعيات، وبعض العاملين، قدمن من منطقة غور الصافي، وجعلن من هذا المكان نقطة انطلاق لهنّ إلى مزارع جنوب عمان ومادبا وغيرها. هذا المخيم بدوره، واحد من بضع تجمعات مشابهة في المنطقة، يعيش فيها العمال الزراعيون بحسب المناطق التي جاؤوا منها؛ فإضافة إلى مخيمين لأهالي غور الصافي، هناك مخيّم لأبناء منطقة سويمة، وآخر لأبناء الأغوار الشمالية.

تتنقّل العائلات بين خيامها في منطقة القسطل ومنازلها في غور الصافي، بحكم عاملين، الأول هو تبدّل المواسم الزراعية عبر فصول السنة، وما توفره الفصول من فرص عمل. والعامل الثاني يتعلّق بدوام المدارس. وفي كل الأوقات فإن معظم ساكني المخيّم من النساء، وفي العطلة الصيفية، يضاف إليهن الأطفال والفتيان.

شتوة الأم لسبعة أبناء، تزوج منهم ثلاثة، تركت في المنزل زوجها المتقاعد من الجيش وجاءت إلى المخيم قبل عشرين يومًا مع الأربعة الآخرين، الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و25 سنة. عندما قابلتها، كان أبناؤها قد جلبوا الماء من «بير مشهور»، وهو بئر ماء لأحد أبناء المنطقة، يقع على بعد 15 دقيقة مشيًا على الأقدام، ركّب عليه صاحبه حنفية «سبيل» هي المصدر الوحيد للمياه لأهالي المخيم، حيث يأخذون عبواتهم البلاستيكية مشيًا إلى البئر، وبعد ملئها، ينتظرون أن تقبل واحدة من السيارات العابرة إعادتهم إلى المخيم.

شتوة الشمالات وأطفالها

تأسيس المخيّم

إلى ما قبل تسع سنوات، لم تكن هكذا الحال، فقد كان الموقع القديم للمخيم مجاورًا للبئر، عندما نصبت، قبل أكثر من 20 سنة، أربع عائلات خيامها إلى جوار الحنفية. وكانت عائلة رسمية الحشوش (33 سنة)، واحدة منها.

تتذكر رسمية عندما جاءت إلى المكان لأول مرة. كانت في الحادية عشرة من عمرها. تقول إن الناس تكاثروا في تلك المنطقة سنة بعد أخرى، لأن فرص العمل كانت وما زالت مجزية أكثر منها في غور الصافي. ففي تلك الأيام كانت يومية العامل في غور الصافي دينارين أو ثلاثة، كانت يومية العامل خارجه تصل إلى خمسة دنانير. في الوقت الحاضر، تبلغ يومية العامل في غور الصافي حوالي ستة دنانير، في حين أنها في المخيم عشرة دنانير في حدّها الأدنى.

قبل تسع سنوات اضطرّ سكّان المخيم، إلى الانتقال إلى الموقع الحالي، بناء على طلب أصحاب الأرض الذين قرروا استثمارها، وأقاموا مكان المخيم القديم بيوتًا بلاستيكية. بالنسبة للموقع الحالي، فإن مالكيه، تقول رسمية، أتوا أكثر من مرة، أول سنتين، وطلبوا من الأهالي الرحيل. لكن أحدًا لم يأتِ بعدها.

أقيم المخيّم قبل تسع سنوات تقريبًا

الصراع على فرص عمل شحيحة

مشقة جلب المياه، مجرد تحدّ صغير لسكان المخيم، وذلك مقابل التحدّي الوجودي المتمثّل في شحّ فرص العمل، خاصة في السنوات الأخيرة، وهو ما يجعل القدرة على تأمين مستلزمات العيش الأساسية أمرًا في غاية الصعوبة. تقول رسمية، الموجودة في المخيم منذ أسبوعين، إنها عملت يومًا واحدًا خلالهما. في حين يخرج إلى العمل، في المتوسط كل يوم من 10 إلى 15 عاملًا من بين الخمسين عاملًا تقريبًا، غالبيتهم نساء.

لدى رسمية 10 أخوة وأخوات، وهي تعيش بعد وفاة والدها مع والدتها وأخوة ثلاثة لم يتزوجوا بعد. يعمل الجميع في أسرتها في الزراعة. وكانت رسمية قد بدأت العمل بنظام المياومة منذ سن الرابعة عشرة، بعد أن تركت المدرسة في الصف التاسع.

تمضي رسمية معظم أشهر السنة في المخيم. يساعدها على ذلك أنها غير متزوجة، ومن دون التزامات مع المدارس. فهي تمضي في غور الصافي فترة أربعة أشهر تقريبًا ما بين شباط وحزيران حيث تعمل هناك في جمع وتجهيز ورق الدوالي. ثم تأتي إلى المخيم بقية الأشهر لتعمل في «لقاط» الخضروات، ومن ثمّ الزيتون.

رسمية الحشوش

تحدّد أجرة العاملة بحسب نوع العمل وصعوبته والكمية المطلوب إنجازها. بعض المهام يكون الأجر فيها على الساعة، غالبًا يكون دينارًا في الساعة. وهناك «المقاولة»، وهي الآلية الأكثر شيوعًا، عندما تتفق العاملات مع صاحب العمل على حجم معين للإنتاج مقابل مبلغ محدد. ويُقاس هذا الإنتاج بطرق مختلفة، فقد يكون حمولة سيارة «ديانا»، أو عدد الشوالات، أو مقدار محصول في مساحة معينة من الأرض. وهذا يعني أن طول يوم العمل سيختلف بحسب الاتفاق، فقد يكون خمس ساعات ينتهي الساعة 12 ظهرًا، أو يكون يوم عمل طويل ينتهي مع المغرب. تقول رسمية إنه، وبغض النظر عن آلية الدفع، فإن الحد الأدنى لما تكسبه العاملة في المتوسط 10 دنانير، يمكن أن ترتفع مع زيادة الإنتاج وساعات العمل لتصل إلى 15 دينارًا.

المشكلة، وفق رسمية وغيرها من العاملات، أن فرص العمل لم تعد تتوفر كل يوم. وجميع من قابلناهم أجمعوا على أن انخفاض أجور العمال السوريين، وازدياد منحهم تراخيص عمل، ساهما نسبيًّا في تراجع فرص العمل.

عندما كنت في المخيّم كان صاحبا العمل الأخوان، محمد وأسامة أبو رياش في المخيم من أجل عاملات لقطف الخيار والكوسا. وكانا يتفقان على ذلك مع «الشاويشة» عيدة المحاسنة، التي تعمل حلقة وصل بين الطرفين، والتي بدأت العمل في هذه المهنة قبل خمس سنوات. تلفت عيدة إلى أن مهنة «الشوشنة» ليست مجرد تأمين العمال والقبض مقابل ذلك. فالشاويش يكون مسؤولًا أمام صاحب العمل عن أداء العمال، ومسؤولًا أمام العمال عن التزام صاحب العمل بدفع مستحقاتهم، وبذلك فإنه من يتلقى اللائمة، عند إخلال العمال بواجباتهم، وهو من يحمّله العمال مسؤولية تأخر صاحب العمل عن الدفع: «لإني أنا بجيب العمال، فهم بطلبوني أنا. [يقولون] إنت أخذتينا إنت جيبي أجارنا». التأخر عن الدفع، كما تقول، حدث مرات عديدة معها، ما كان يضطرها إلى استئجار سيارة والذهاب إلى أصحاب العمل المتأخرين في الدفع لمطالبتهم. وتقول إنها اضطرت مرة إلى تقديم شكوى ضد أحد أصحاب المزارع حتى أجبرته على الدفع. التحدي الآخر في مهنتها يتعلق بعملها وسط أقاربها وجيرانها، فهي تحرص على توزيع فرص العمل المتوفرة على أكبر قدر من العائلات في المخيّم. فلا يجوز مثلًا منح اثنين من العائلة نفسها فرصة عمل في اليوم ذاته، في حين أن عائلة أخرى لم يخرج منها أحد للعمل.

عيدة المحاسنة

رفع دعم الخبز «دمّر» الناس

في كل اللقاءات التي أجريتها كان الخبز محور الشكوى. إذ الخبز المكوّن الأساسي في وجباتهم الثلاث، لأنه، كما يقولون، صنف الغذاء الوحيد الذي يستطيعون شراءه ويضمن لهم أن يشعروا بالشبع. وبذلك، فإن مضاعفة سعره، كما تقول حمدة الخطبا (37 سنة): «دمّرت الناس»، حتى مع الدعم الذي قدمته الحكومة. «كانت الليرة تكفّينا يوم كامل. هسّا صرنا نجيب بليرتين وما بظل منهن للصبح».

حمدة الخطبا

لدى حمدة وزوجها تسعة أبناء بين السنة والرابعة عشرة، جاؤوا جميعهم إلى المخيم مع بدء العطلة الصيفية. أنجبت حمدة آخر طفلين في المخيم، وعمرهما الآن سنة وثلاث سنوات، حيث كانت تعمل في المزارع حتى وهي في الشهر التاسع من الحمل. وفي المرتين، كانت تعود بطفلها من المستشفى إلى الخيمة. تقول إن المخاض فاجأها السنة الماضية، وهي في المزرعة: «نزلت على الشغل والوجع كان معاي. قالوا لي هسا بتولدي هان، قلت مش رايحة أطلع من الشغل إلا أجيب العشر ليرات». أنهت يوم العمل فعلًا، وبمجرد عودتها إلى المخيم جاءها المخاض، فطلبوا لها سيارة إسعاف: «على السريع ولدت، ومن دون قَرّاصات [طلق] لإني كنت منتهية من التعب».

في الخيمة التي تقيم فيها عائلة حمدة جهاز تلفزيون ومروحة، وتطبخ على الحطب لأنه لا يوجد عندها «غاز»، وليس لديها ثلاجة أيضًا. ففي المخيم كله ثلاث ثلاجات فقط، وهي متاحة أمام الجميع لوضع زجاجات المياه فيها.

يستجرّ الأهالي الكهرباء من الأعمدة المجاورة، ويقولون إن رجال الأمن يأتون كل سنة تقريبًا ويحذّرونهم من أن أخذ الكهرباء بهذه الطريقة غير قانوني، وإنه سيترتب عليهم غرامات. لكن لم يحدث أن اتًخذت أي إجراءات. إذ ليس في المخيم سوى بضع رجال يبقون في العادة داخل الخيام عند مجيء الشرطة، «وما حدا بحكي مع النسوان».

تحويل الخيام إلى بيوت

في مكان آخر من المخيم كانت زهِر الشعار تخبز على الصاج، لأن هذا، كما تقول، يخفف قليلًا من كلفة الخبز على العائلة. تقيم زهر في خيمة مع زوجها محمد الخطبا، الذي تقاعد قبل 20 عامًا من الخدمة العسكرية. عمل بعدها خمس سنوات في ضمان المزارع في غور الصافي، لكن تدهور الزراعة في المنطقة دفعه إلى التنقل مع زوجته وأبنائهما بين مخيمات مشابهة في المفرق والحسا، حيث كانوا يتضمنون مزارع، أو يعملون بالمياومة. وكانت محطتهم الأخيرة، قبل القسطل، خيمة قريبة من مكب الكرك، عاشوا فيها خمس سنوات، وعملوا في جمع الخردة لصالح متعهد كان يدفع لهم 4 دنانير على الشوال. وكان الشخص، يجمع في اليوم 3 شوالات.

زهر الشعّار

ابنة حمدة الخطبا

يقيم الأهالي خيامهم بأيديهم. لأن تكلفة شراء خيمة جاهزة بكامل تجهيزاتها، يقول الخطبا، يمكن أن يصل إلى 300 دينار. التصميم الشائع للخيام هنا هو إقامتها بمواسير حديد تُفصّل لتكون الهيكل الداخلي للخيمة، ثم يلبّس الهيكل ببطانيات قديمة، وشوادر بلاستيكية تخاط إلى بعضها. وتفرش الأرضية بقطع قديمة من السجاد والموكيت. ويُجهّز المكان بفرشات ومخدات للجلوس والنوم، وتعلّق على واجهات الخيمة الداخلية ستائر، تحجب حرارة الخارج. ويخصص ركن من الخيمة ليكون المطبخ، فيوضع فيه موقد غاز، ومستلزمات المؤونة. في حين يكون على طرف الخيمة ركن منفصل، هو الحمام المخصص للاغتسال.

أما قضاء الحاجة، فيتم في «الجورة»، وهي واحدة من بركتين زراعيتين مجاورتين للمخيم، استخدمتا، كما يقول الخطبا، في سنوات سابقة لتجميع المياه، عندما كان مالكو الأرض يزرعونها بالخضار التي تحتاج إلى الريّ. الآن تزرع الأرض بالشعير، الذي ينمو على مياه الأمطار. ولهذا انتفت الحاجة إلى البرك الزراعية. وهذا مكّن الأهالي من استخدام إحداهما كمنفذ للصرف الصحي، حيث تذهب النفايات السائلة إلى باطن الأرض. أما النفايات الصلبة، فإن الأهالي، بين فترة وأخرى، يشعلون النار في البركة لتنظيفها وتهيئتها للاستخدام مجدّدا. الخيار الآخر لقضاء الحاجة في المخيم، هو عن طريق «خشّتين»، كل واحدة منهما في جهة من المخيم، أقيمتا باستخدام أربعة أعمدة خشبية لكل واحدة، ثبتت في الأرض، وأحيطت بشادر بلاستيك من كل الجوانب، وهُيّأت في كل «خشّة» حفرة في الداخل.

التكاتف في مواجهة الشقاء

رغم صعوبة الحياة في المخيّم، إلّا أن جميع من التقيتهم يجمعون على أن الحياة فيه على مشقتها، أفضل بمراحل من الحياة في غور الصافي. وهذا ما يجعل المخيم عامرًا بالناس في الصيف، حتى في الوقت الذي تشحّ فيه فرص العمل. فهم يهربون من الحرّ اللاهب في غور الصافي طوال ساعات النهار والليل، وما يترتب عليه من فواتير كهرباء عالية، بسبب تشغيل المكيفات لمن يملكها. في حين أنه يمكن هنا، لمن لا مروحة لديه، الجلوس في الخارج، حتى في منتصف النهار، تحت ظلال الأشجار. وهذا ما كانت تفعله مريم البوات (45 سنة)، التي كانت تحمل الرضيع خالد، وهو ابن «سلفتها»، التي خرجت يومها إلى العمل، وتركته في عهدتها: «ما عندي مروحة، وهيني طاشّة بالعيّل تحت الشجر».

مريم البوات مع ابن “سلفتها”.

هذه الأريحية في التعامل بين الناس في المكان، وفي انفتاحهم على بعضهم البعض، تقول مريم إن سببها أن الجميع في المكان: «قرايب، وعيال عم ونسايب». فهناك حرص كبير على عدم تزويج البنات بالتحديد من خارج المنطقة، حتى لا يكون تُخلق الحساسية التي يخلّفها وجود غريب: «إحنا بتنجوّز من بعض عشان مثل العِرقْ، نلتف على بعض، ونظل نروح ونيجي على بعض».

لكن التكاتف الذي يبدو ظاهريًّا مجرد استجابة لواجب القرابة، يبدو في هذا المكان واحدًا من آليات البقاء. فالسكان، في ظل تدهور الزراعة، مصدر رزقهم شبه الوحيد، وعندما يكون مصدر الدخل هو «يومية» قد تأتي أو لا تأتي، يعرفون أنهم، كما تقول رسمية، ليسوا محصّنين من الحاجة إلى غيرهم. لهذا هم «بميلوا على بعض. يعني بتصير كثير واحد يطلب من الثاني يجيبله معه وهو راجع بليرة خبز. والثاني ما بطلب الليرة، لأنو بعرف الحالة تعبانة».