«المال شيطان المدينة»: كيف يغرّب مشروع العبدلي سكان عمان عن مدينتهم

الإثنين 29 حزيران 2015
نضال الخيري مشروع العبدلي
الرسم للفنان نضال الخيري.

يتربع مشروع العبدلي، أو ما يسمونه «الوسط الجديد لمدينة عمان»، على مساحة مبنية تزيد عن 1.8 مليون متر مربع، تضم العديد من المكاتب والفنادق والمحلات التجارية إضافة إلى الشقق السكنية، في منطقة العبدلي التي تعتبر الامتداد المباشر لوسط البلد (1) .

تروج شركة العبدلي للاستثمار والتطوير للمشروع على موقعها على الإنترنت بوصفه «أحد أبرز وأضخم المشاريع التطويرية ذات الاستخدامات المتعدّدة، وأكثرها محاكاة لنمط الحياة العصري على الإطلاق»، وبأنه يسعى «إلى إحداث نقلة رائدة ونوعية في تطوير قلب العاصمة عمان، مضيفًا بعدًا جماليًا فريدًا للإطلالة الحديثة لمدينة عمان».

لكن هل يضيف هذا الشكل المعماري العصري حقًا بعدًا جماليًا فريدًا لمدينة عمان؟ وهل متعة وقيمة المكان هندسية جمالية فقط، أم هي اجتماعية تقوم قبل كل شيء على تآلف الناس مع محيطهم؟

العمارة من منتج اجتماعي إلى سلعة

كانت منطقة العبدلي، التي سميت بهذا الاسم نسبة إلى الملك المؤسس عبد الله الأول، تعتبر مركزًا للعاصمة عمّان، حيث ضمت العديد من المباني الحكومية، منها مبنى مجلس الأمة وقصر العدل، بالإضافة إلى مقر القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية، الذي نقل من المنطقة المحاذية لسوق اليمنية في شارع الملك طلال في وسط البلد إلى طلوع جبل عمان (الحايك) لينقل لاحقًا إلى منطقة العبدلي. وفي حي العدلية، أحد أحياء منطقة العبدلي المحيطة بمبنى قصر العدل القديم، كان مقر أول جريدة رسمية وهي جريدة الأردن التي كان مبناها يقع بالقرب من جامع التلهوني.

كان لشارع السلط الإثر الكبير على منطقة العبدلي باعتبارها مركزًا للعاصمة، الشارع الذي يعتبر أول طريق مُعبد يربط بين عمّان والسلط، والذي قامت دائرة الأشغال العامة، التي كانت تسمى آنذاك بدائرة النافعة التابعة لوزارة المواصلات بتعبيده عام 1939. وفي ستينيات القرن المنصرم، أنشأ ضيف الله الحمود، أمين عمان آنذاك، مجمع سفريات العبدلي الذي كان يربط عمّان بالمحافظات الأخرى، بالإضافة إلى مرآب لسيارات النقل الخارجي (عمّان – دمشق – بيروت). ومع بداية حملة إعمار العبدلي نقل مجمع السفريات، كما نقل مقر قيادة الجيش، وأجبر الاهالي على ترك منطقتهم، لتتحول العبدلي إلى مشروع استثماري.

المسألة ليست صراعًا بين القديم والحديث بقدر ما هي رفض لعمارة باردة لا تتفاعل مع معطيات البيئة المحلية. 

يقول المعماري حسن فتحي إن «العمارة ليست مجرد مأوى فحسب، بل هي تعبير حي عن وجدان الإنسان وتحقيق لرغباته في الانتماء وميله إلى التواصل الاجتماعي» (2) . فالعمارة ليست محايدة بذاتها والمكان ليس موقعًا جغرافيًا فحسب، بل هو مساحة يتجمع فيها الناس للتعبير عن نسق حياتهم وبنيتهم الاجتماعية وعلاقاتهم داخل هذه البنية، وما العُمران عند ابنِ خلدون سوى المجتمع، وما العمارة سوى أول صنائع العمران للتساكن والتنازل في الأمصار لقضاء الحاجات، لما في طبائع الناس من التعاون على المعاش. لهذا لم يكن المجال المبني يومًا مستقلًا عن المجتمع، فهو في علاقة دائمة ومستمرة مع حاجات وتطلعات الناس وذاكرتهم الجمعية، وهذه العلاقة هي التى تلامس مشاعر الناس وأحاسيسهم تجاه المكان، وهذا ما يعطي المجال المبني طابعًا وقيمة.

تحاول شركة العبدلي للاستثمار والتطوير من خلال موقعها على الإنترنت بث خطاب التعددية وإظهار هذا النمط من العمارة كأنه نتاج التوافق بين «الأصالة» و«الحداثة»، لتؤكد بخطابها أن «مشروع العبدلي الذي روعيت أدق التفاصيل أثناء التخطيط له سيشكّل الإطلالة الجديدة لمدينة عمّان؛ حيث تجتمع العراقة والأصالة الأردنية جنبًا إلى جنب مع أعلى معايير الحداثة والتقدّم الحضاري»، وكأن إضفاء صفة التعددية والجمع بين «الأصالة» و«الحداثة» -على مستوى الخطاب- لأهداف دعائية يضفي على هذا الشكل من «عمارة البذخ» (3) كما يسميها رفعة الجادرجي صفةَ الشرعية الاجتماعية.

المسألة ليست صراعًا بين القديم والحديث بقدر ما هي رفض لعمارة باردة لا تتفاعل مع معطيات البيئة المحلية. فبينما تعتبر عمارة وسط البلد وجبلي اللويبدة والحسين، بغض النظر عن جماليتها، عمارة بنيت بما يتلاءم مع النسق الاجتماعي وبما يتناسب مع حاجات الناس، لذلك تجدها متسقة مع ذاتها من جهة ومع محيطها من جهة أخرى. على النقيض من ذلك، تقف عمارة مشروع العبدلي التي هبطت بالباراشوت وفُرضت على المكان ببلاهة ودهشة كعمارة سلطوية قسرية. وفي هذا السياق يأتي الكلام عن التعددية في إطار شكلي، بينما الواقع هو، كما يقول المعماري رهيف فياض، «سيطرة فكر وهو الفكر السائد الذي يحمل معه أيضًا فكرًا سائدًا في العمارة (…) إن هذا الكلام هو ترويج للغة واحدة في العمارة، تتجاهل بالدرجة الأولى المكان، فكيف إذا كان في المكان ذاكرة وناس؟» (4).

إن مشروع العبدلي بشكله الحالي أفرَغ الحيز العام من بعده الاجتماعي بقوة المال والسلطة وقام بتشييئ المكان وتحويله إلى مشروع استثماري يخضع بالمطلق لمعايير الشكل الحداثي للعمارة أو ما يسمى بالطراز الدولي (International Style) القائمة على العمارة الزجاجية العملاقة دون أي مراعاة للبنية الاحتماعية التي سُلب منها المكان. تدوس هذه العمارة الغازية ذاكرة ووعي الناس لمكانهم الذي بنوه بما يتوافق مع حاجاتهم من جانب وعلاقاتهم بالمكان وببعضهم البعض من جانب آخر، لتفرض نفسها كعمارة متعجرفة طاغية بوجودها الذي يتوافق مع متطلبات السوق وتطلعات المستثمر الذي حوّل العمارة من كونها منتجًا اجتماعيًا إلى سلعة تُستخدم وتوظّف في إطار السوق.

بعد أن تم تهجير معظم أهالي المنطقة إما بقوة المال أو السلطة أو بكليهما معًا، نستطيع أن نلمس ما تبقى من وجود الناس في المكان. في شارع سليمان النابلسي، الموازي لمشروع العبدلي، ما زالت المحلات التجارية السابقة للمشروع تحتفظ بأسماءها التي تعبر عن ذاكرتها وموروثها الاجتماعي وعلاقتها بالمكان، فمكتبة الحياري، ومطعم زهرة لبنان، وبيسان للسياحة والسفر،ما هي إلا أسماء تحمل دلالات لمعاني علاقة الإنسان بالمكان، حيث تستحضر أسماء هذه المحلات الذاكرة الجمعية للمكان باعتباره حيز اجتماعي يعبر عن تاريخ الجماعة وواقعها. وبالمقابل تحمل الشوارع داخل مشروع العبدلي أسماء تعبر عن مصالح طبقة معينة واقرب إلى وعي ومخيال هذه الطبقة، كشارع الأبراج وشارع البنوك وشارع الأعمال.

عمارة الاستعراض ليست لكل للناس

تم نقل سوق البسطات الشعبي القائم على مجمع سفريات العبدلي سابقًا القريب من مشروع العبدلي، ضمن عملية تطهير مكاني بحجة «إعادة تنظيم المدينة وتأهيلها وترتيبها وتنظيفها»، على اعتبار أن البسطات العشوائية ما هي إلا «اعتداء على الأرصفة والشوارع». لكن في الوقت ذاته، يقوم المشروع الذي لا يقل عشوائية عن سوق العبدلي على بيوت الأهالي التي انتزعت منهم بقوة المال أو السلطة لتتحول هذه البيوت إلى مشروع استثماري. وهو بهذا يكرس فكرة تقسيم عمان، التي تجذب المستثمرين وتطرد ساكنيها، إلى مناطق للأغنياء وأخرى للفقراء.

كما أن المشروع يعتدي على الفضاء الاجتماعي لمناطق الفقراء والطبقة الوسطى، حيث أن ماضي وسط البلد والمناطق المحيطة به لم يكن للأغنياء فقط، بل كان لكل الناس، وما فعله مشروع العبدلي أنه انتزع الامتداد المباشر لوسط البلد، فارضًا على المكان نمط حياة الأغنياء ليزيد من حدة التناقضات التى تعيشها عمّان، ويصبح الأغنياء وحدهم المواطنين في مدينة السوق التي تمنحهم كل اهتمامها لأن لديهم القدرة على الشراء. فلا يسمح لأبناء المحافظات وأهالي عمان الشرقية بالدخول إلى البوليفارد إلا كعمال يطردون عند مغيب الشمس وانتهاء الدوام، أو كغرباء لا علاقة وجدانية تجمعهم بالمكان الذي يمنعون من دخوله بذريعة أنه «Couples Only»، المكان الذي لا يستطيعون أن يقتنوا منه لا المأكل ولا الملبس أو حتى قضاء وقت للترفيه، مما يشعرهم دومًا  بالاغتراب عن المكان الذي كان قبل زمن ليس بالبعيد مكانًا لهم.

عندما تُصنع المدينة

في أربعينيات القرن المنصرم، ازداد عدد سكان بغداد بشكل كبير جدًا، بسبب حركة النزوح الضخمة من الأرياف إلى العاصمة، هروبًا من الفقر والتهميش، عاش هؤلاء النازحون على هامش المدينة، ولم يكونوا يومًا هدف لمشاريع الدولة ومخططاتها. بعد ثورة 14 تموز ومجيء عبد الكريم قاسم إلى السلطة، أدخلت على مدينة بغداد تغييرات معمارية جذرية، إذ تم اقتطاع مساحات كبيرة من أراضي الدولة الواقعة في شرق العاصمة، ووزّعت على الفقراء النازحين حتى يبنوا منازل لهم، كما تم بناء أحياء سكنية في أجزاء مركزية من بغداد، ووزّعت على الكوادر الوسطى في الدولة، كالأساتذة وغيرهم من موظفي جهاز الدولة البيروقراطي.

تم التركيز على بناء عمّان الجديدة بما يتوافق مع رؤية هذا التيار المهيمن، الذي لا يرى في الأردن إلا عمّان ولا يرى في عمّان إلا عمّان الغربية.

ما فعلته الدولة في عهد عبد الكريم قاسم أنها صنعت «بغداد الجديدة» بتوزيعات سكانية انعكست على تغييرات اجتماعية ضخمة. ففي ليلة وضحاها، أصبح مئات الالاف من العراقيين جزءًا من المدينة الحديثة وتحولوا من كونهم فقراء مهمشين إلى «طبقة وسطى»، ساهمت بشكل رئيسي في بناء فن وثقافة مدينة بغداد آنذاك. كذلك الأمر بالنسبة لطهران التي طرأت عليها مجموعة من التغيرات المدينية بعد الثورة الإيرانية، إذ تعتبر أكثر من نصف طهران الحاليّة مناطق جديدة تم بناؤها وضمّها إلى العاصمة بعد ثلاث سنوات من سقوط نظام الشاه، لتحوي العديد من فقراء الأرياف والمدن المحيطة بالعاصمة(5).

في الأردن ومنذ بدايات العقد الماضي، سيطر التيار المنادي بتخلي الدولة عن دورها الاقتصادي والاجتماعي لصالح اقتصاد البزنس والاستثمار، وهو ما يُفقد الدولة قدرتها على ممارسة السياسات التوزيعية التى تلامس الفقراء وأبناء الطبقة الوسطى. لهذا تم التركيز على بناء عمّان الجديدة بما يتوافق مع رؤية هذا التيار المهيمن، الذي لا يرى في الأردن إلا عمّان ولا يرى في عمّان إلا عمّان الغربية.

بالمقابل فإن حالة الفقر والبؤس المرافق للاكتظاظ السكاني التي تعاني منها عمان الشرقية أصبحت مقلقة على المستوى الاجتماعي، ويتمظهر هذا القلق في مستوى ارتفاع ظاهرة الجريمة وحالات التفكك الأسري، بالإضافة إلى زيادة نسبة البطالة في فئة الشباب. في الوقت ذاته، ما تزال الخطط والمشاريع التي تحاكي عمّان الجديدة ترتكز على الإنفاق الترفي ولا تلتفت إلى أولويات ابناء المحافظات وعمان الشرقية. مبادرة «سكن كريم»، التي اغتالها نهج الفساد المتشعب والممتد، هي مبادرة إيجابية نظريًا، وتحمل في جوهرها مشروعا رائدًا، وفشلها لا يعني إلغاء الفكرة بل محاسبة من أفشلها، والعمل على إحيائها بعقلية جديدة هو ضرورة اجتماعية، على أن تقوم على أسس جديدة، أهمها أن يكون البناء على الأطراف الملاصقة للمدينة مع الابتعاد عن سياسة الفصل الاجتماعي بين السكان، والأخذ بعين الاعتبار أن تكون المناطق مزودة بالمرافق الصحية والتعليمية بالإضافة إلى قربها من الخدمات والمواصلات العامة.

لن تُصنع عمّان كمدينة من خلال مشروع العبدلي وابراج السادس والمطار الجديد، فتغيير النهج الاقتصادي القائم على عقلية رعاية البزنس بدلًا من رعاية المجتمع، هو الخطوة الأولى تجاه بناء «عمّان الناس». فالمستهدفون من رعاية البزنس، كما يقول رهيف فياض، «لا يصنعون مدنًا، لأنهم لا يخرجون من منازلهم، يركبون سياراتهم ويتجهون إلى مصاعد أبراجهم دون أن يمروا بالمدينة. الفقراء والناس العاديون هم من يسكنون ويصنعون المدن»(6).


(1) عنوان المقال مقتبس من قصيدة المومس العمياء للشاعر العراقي بدر شاكر السياب.
(2) حسن فتحي، عمارة الفقراء، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2002.
(3) رفعت الجادرجي، حوار في بنيوية الفن والعمارة، رياض الريس للنشر، بيروت، 1995.
(4) رهيف فياض، العمارة ووعي المكان، دار الفارابي، بيروت، 2004.
(5) عامر محسن، الثورة والمدينة: في هندسة التغيير، جريدة الأخبار اللبنانية، تاريخ النشر 23-3-2013.
(6) رهيف فياض، مصدر سابق.