الإعلام والحرب: انتصار البروباغندا وأفول الصحافة

الخميس 28 أيار 2015

في الرابع من أيلول عام 2014، أعلن الرئيس الأميركي باراك اوباما عزمه تشكيل تحالف دولي لصد «تنظيم الدولة الإسلامية»، المعروف بـ«داعش». وفي 26 آذار الماضي، أعلنت المملكة العربية السعودية عن بدء ما أسمته «عاصفة الحزم»  بتحالف أكثر من عشر دول لـ«دعم الشرعية في اليمن».

وقد شارك الأردن في هذين التحالفين عسكريًا، ليدخل البلد في غضون أقل من عام حربين تدوران خارج حدوده.

تسعى هذه المقالة إلى التعرف على نوعية التغطية التي حظيت بها المشاركة الأردنية في هذين التحالفين، أو الحربين، وإلى التعرف على اتجاهات الصحافة المحلية من الحربين من خلال هذه التغطية.

تغطية الحروب تحدٍّ جديد للصحافة المحلية

شكلت تغطية المشاركة في هاتين الحربين «تحديًا» جديا لوسائل الإعلام المحلية وذلك لعدة أسباب:

أولا: لأنها أول مشاركة عسكرية أردنية مباشرة في حرب منذ 42 عامًا، أي منذ آخر مشاركة له في حرب تشرين 1973 ضد إسرائيل، أو على الأقل، أول مشاركة معلنة. ولأن هذين التحالفين يحاربان ضد أطراف عربية، أو في دول عربية.

ثانيًا: لأنهما حربان تخاضان ضد «تنظيمات» أو «ميلشيات»، لا دول، خاصة في حالة اليمن، بما يعنيه ذلك من تأثير على المدنيين في مناطق النزاع، و أو المخاطر التي قد ترتد على الأردن.

ثالثًا: لأنهما تُخاضان، أساسًا، عبر القصف الجوي، وباستخدام المقاتلات بطيار أو بدون طيار، مما يثير نقاشًا حول مدى «أخلاقية» و«شرعية» هذا النوع من القصف أو الحروب.

رابعا: لأنهما حربان تدوران خارج حدود الأردن، وما استتبع ذلك، من نقاشات حول «مصلحة» الأردن من المشاركة فيهما، وتحديدًا النقاش الذي سبق أو تزامن مع «الكشف» عن مشاركة الأردن في التحالف الدولي ضد «داعش».

من التعدد إلى «صناعة الإجماع»

يمكن تحديد أربع مراحل لتغطية وسائل الإعلام المحلية لمشاركة الأردن في هاتين الحربين:

أولًا: مرحلة ما قبل الحربين

تمتد هذه المرحلة، خصوصًا فيما يتعلق بالتحالف الدولي ضد «داعش»، إلى عدة سنوات خلت. لكننا ولاعتبارات تتعلق بمنهجية الرصد، ونوعية وكمية التغطية، سنتناول الفترة من حزيران عام 2014 حتى الآن، أي منذ إعلان هذا التنظيم عن قيام «دولة الخلافة الإسلامية» في العراق وسوريا، وتمدده السريع في أجزاء واسعة من هاتين الدولتين.

أما في حالة الحرب في اليمن، فسوف تمتد الفترة منذ إعلان السعودية عن «تحالف عاصفة الحزم» في 26 آذار العام الحالي، وحتى الآن.

تكشف عملية رصد التغطية الإعلامية لما قبل مشاركة الأردن في التحالفين عن أن وسائل الإعلام كانت «غائبة» أو «مغيبة» عن قرار المشاركة. لا بل يمكن القول أنها تفاجأت بقرار المشاركة في التحالفين، وكانت مفاجأة وسائل الإعلام لا تقل عن مفاجأة الحكومة نفسها، وخاصة رئيس وزرائها عبدالله النسور، بقرار المشاركة، وتحديدا فيما يتعلق بالتحالف ضد «داعش»، كما سنرى لاحقا.

والحال أن «القرار المفاجئ» بالمشاركة في التحالفين عكس نفسه على التغطية الإعلامية ما قبل الحربين، التي بقيت، في حالة التحالف الدولي ضد «داعش»، تتسم إلى حد بعيد بـ«التنوع» و «التعددية»، عكست خلالها تعدد آراء الجهات الرسمية، من جهة، ومن جهة أخرى، آراء قطاعات شعبية واسعة، كانت ترى في المشاركة في الحرب ضد «داعش»، على الأقل، حربًا «ليست حربنا»، كما عبرت عن ذلك عدة مسيرات جرت في بعض محافظات البلد، أو تصريحات وبيانات فعاليات حزبية ونيابية. غطت الصحافة هذه الفعاليات بدون أي تحفظ أو حتى محاولة تدخل من قبل الحكومة أو الأجهزة الأمنية لمنع أو الحد من هذه التغطية أو تأطيرها.

وما كان لهذا «التنوع» و«التعدد» في التغطية الإعلامية أن يتم «ضبطه» و«تأطيره»، سواء من قبل الأجهزة التنفيذية أو من قبل الصحفيين أنفسهم، حتى قيام «داعش» بإعدام الطيار الكساسبة، حيث شهدت التغطية تحولًا نوعيًا، صارت فيه الحرب ضد هذا التنظيم «واجبًا» وطنيًا، وانتقلت فيه التغطية من «إعلام الحرب»  إلى «الحرب الإعلامية».

أما في حالة التغطية لما قبل «تحالف عاصفة الحزم»، فالأمر لم يكن أقل تشابهًا، إذ لم تقم وسائل الإعلام بتقصي مشاركة الأردن في هذا التحالف قبل الإعلان عنه، وربما بعد الإعلان أيضًا، ذلك أن قرار تشكيل التحالف، ومن ثم قرار مشاركة الأردن فيه شكّل أيضًا مفاجأة للجميع.

لكن ما إن أعلنت السعودية عن التحالف، وأعلن «مصدر مسؤول» لوكالة بترا، عن «مشاركة الأردن في تحالف دعم الشرعية في اليمن»، الخبر الذي نشرته صحف 26 آذار، حتى تنكبت وسائل الإعلام السلاح وذهبت للحرب.

وهكذا سنرى أن الإعلان الذي فاجأ الجميع بالمشاركة في الحربين، لم «يسمح» لوسائل الإعلام أن «تلعب دورًا» في إعداد الرأي العام لهاتين الحربين، وتحديدًا من خلال اتباع استراتيجية «التخويف» من شر «داعش» و«الحوثيين»، وبأنهما تشكلان خطرًا على البلد.

وقد يبدو ذلك، أي عدم اهتمام صانع القرار بإعداد الرأي العام للمشاركة في الحرب، من حسن حظ وسائل الإعلام والصحافة، إذ أن هذا الأمر جنب هذه الوسائل، حينذاك، أن تستخدم كأداة في الحرب، وتتحول إلى «الدعاية»، ما أبقاها محافظة إلى درجة كبيرة على «مهمتها» الأساسية المتمثلة في إخبار أو إعلام الجمهور بما يجري حوله.

هذا لا يعني أن الصحافة كانت غائبة نهائيًا عن تهيئة الأجواء للمشاركة، أو أنها لم تساهم في تصنيع صورة «العدو» وتشريره. فقد كانت التغطية، وخاصة للممارسات الوحشية لتنظيم «داعش» كثيفة جدًا، لكنها بقيت متنوعة، لدرجة أن الكثير من وسائل الإعلام، كانت تستخدم ما يبثه التنظيم نفسه عن نفسه وعن ممارسته، فـ«داعش» وخلافًا لأي كيان سياسي آخر، لم يقصّر في تصوير «وحشيته»، ربما بدافع إلقاء الرعب في قلوب خصومه أو بدافع رفع الروح المعنوية لمناصريه أو جلب المزيد من المؤيدين له.

وقد بقي الحال كذلك حتى صدور قرار النائب العام في 25 كانون أول الماضي، بـ«حظر نشر أي أخبار أو صور يبثها تنظيم الدولة الاسلامية «داعش» الإرهابي تسيء للطيار الأردني معاذ الكساسبة.

لا بد من الإشارة هنا إلى أن تغطية صحيفة «السبيل» تحديدًا، كانت تتجنب إلى حد كبير تصنيع صورة شريرة  لـ«داعش» بوصفه «عدوًا»، لا بل أنها تعاملت بنوع من «الحيادية» أو حتى أحيانًا «التعاطف» مع «داعش» من خلال رسم صورة مغايرة. فقد بثت «السبيل» وحدها جميع الفيديوهات التي أنتجها الصحفي البريطاني جون كانتلي، الرهينة لدى التنظيم، عن «الحياة في ظل الدولة الإسلامية». وربما تنسجم تغطية «السبيل» هذه مع موقف «جماعة الإخوان المسلمين»، الناطقة باسمهم.

الحال نفسه جرى مع «الحوثيين» في اليمن، إذ في حين أن وسائل الإعلام لم تلعب دورًا في تهيئة الرأي العام للحرب، لم تخلو التغطية من «تشرير» الحوثيين، والتخويف أو التحذير من «خطر التغلغل الإيراني في المنطقة».

لكن كل ذلك جرى في ظل تنوع في التغطية من حيث المصادر، وإن كانت التغطية للصراع في اليمن اعتمدت بشكل كلي على وكالات الأنباء الأجنبية وأحيانًا العربية، وفي ظل تعدد في الآراء. لا بل أن الكثير من كتاب الافتتاحيات طالبوا بتحسين علاقات الأردن بإيران، بالتزامن مع زيارة وزير الخارجية لطهران، (صحف 6 اذار)، ودعوته لحوار عربي إيراني، أي قبل إعلان الحرب بتسعة عشر يومًا. وقد أولت الصحافة إجمالًا اهتمامًا كبيرًا لزيارة جودة «المفاجئة» وربما بالغ البعض في التفاؤل في تحسن العلاقات أو نجاح الدعوة للحوار، ما حمل الوزير نفسه إلى الرد على هذه «المبالغات» رافضًا أن توصف  هذه الزيارة بـ«الانفتاح أو التقارب» مع تأكيده على «استمرار التواصل».

إجمالًا، بقيت التغطية للـ«صراع» في اليمن، ما قبل إعلان التحالف، لا تخرج، لا من حيث الافتتاحيات ولا من حيث القيم الاخبارية عن «طبيعة» التغطية الإعلامية المحلية لأي تطورات مشابهة في بلدان عربية بعيدة نسبيًا عن الأردن، التي تتسم عمومًا بالاعتماد على المصادر الخارجية في الأخبار، أو متابعة شؤون الأردنيين المغتربين في هذه الدول، أو في تعدد وتنوع آراء الكتاب من هذه التطورات.

الخط الزمني التالي يوضح أهم الأحداث المتعلقة بالحرب على «داعش» وتعامل الإعلام معها

ثانيًا: المشاركة في التحالف الدولي ضد «داعش»

في 8 أيلول الماضي، أعلنت قمة «حلف الناتو»، المنعقدة في جنوب ويلز/ بريطانيا، بمشاركة 50 دولة، تشكيل تحالف دولي لمحاربة «تنظيم الدولة الإسلامية»، داعش، وكان الملك عبد الله الثاني مشاركًا في القمة. وكان وزير الخارجية ناصر جودة مشاركًا في اجتماع لـ«مكافحة الإرهاب» في جدة في العربية السعودية، ولاحقًا في اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة، مؤكدًا مشاركة الأردن في «الحرب على الإرهاب والتطرف».

في ذلك اليوم نفسه، كان رئيس الوزراء عبد الله النسور يؤكد خلال محاضرة في عمان بأن الأردن لن يشارك في هذا التحالف و«لن يخوض حرب غيره»، وكذلك فعل الوزير خالد الكلالدة.

كما كان ثمانية نواب بدأوا في جمع تواقيع على «مذكرة أو مبادرة» بعنوان «ليست حربنا»، تطالب بعدم الانضمام للتحالف، وأعلنت عدة أحزاب اهمها، حزب جبهة العمل الإسلامي، وجماعة الاخوان المسلمين، وبعض الحراكات العشائرية، بأنها «ليست حربنا».

هذه التطورات تدلل على أمرين، أولًا: «الارتباك» أو «الضبابية» في الموقف الرسمي، بحسب وصف تقرير لموقع «أيلة نيوز». وثانيًا: تعدد أو اختلاف آراء الشارع، وربما حتى المسؤولين، حول المشاركة في التحالف ضد «داعش».

«الارتباك» و «الاختلاف» هذان سمحا لوسائل الإعلام بتغطية متعددة ومتنوعة. وقد حظيت تصريحات النسور باهتمام ملحوظ، ونقلت أقواله جميع وسائل الإعلام واحتلت عند بعض الصحف عناوين الصفحة الاولى.

كذلك نقلت وسائل الإعلام جميع بيانات الأحزاب والفعاليات وأنشطتها، مثل المسيرات المناوئة للحرب، ونشاط نواب «مبادرة ليست حربنا»، باهتمام.

هذا التنوع والتعدد والنقاش الحيوي الذي شهده المجتمع الأردني، مع بداية تشكيل التحالف، وعكسته التغطية الإعلامية، سيختفي لاحقًا، ولعدة أسباب، كما سنرى، بعد إعدام الطيار الكساسبة، وخلال المشاركة في «عاصفة الحزم».

وعلى أي حال، فإن الأردن، وحتى تلك اللحظة لم يكن قد أعلن رسميًا مشاركته في التحالف ضد «داعش»، بل فرض أو مرر قرار المشاركة بدون تصريح رسمي من مصدر مسؤول يعلن فيه المشاركة، خلافًا للإعلان الصريح والواضح والسريع للمشاركة إلى جانب السعودية في التحالف ضد الحوثيين.

لكن الاختلاف في الآراء في الشارع والارتباك في الموقف الرسمي، الذي سمح لوسائل الإعلام أن تحافظ على تغطية «موضوعية» ومتوازنة، لجميع هذه الآراء، لم يترافق مع بحث حقيقي لهذه الصحافة في ما وراء الخبر، أي بمعنى التحقق وتقديم المعلومات الدقيقة والواضحة وتجنيب الجمهور حالة التشويش وعدم الوضوح واكتفت الصحافة بعكس النقاش أو بنقل الاخبار عن مصادر ووكالات أجنبية، كما هو الحال مع «قمة الناتو»، أو بشكل روتيني بروتوكولي، فيما يتعلق بمشاركة الملك في القمة وتصريحات وزير الخارجية.

لن يكون الحال كذلك مع الصحفيين الأردنيين المراسلين للصحافة العربية، فهؤلاء لن يكتفوا بنقل تصريحات النسور أو الكلالدة كما هي، ولن يكتفوا بتأكيد «عدم مشاركة الأردن في حروب الغير»، إذ أنهم سوف يمضون خطوة أبعد من مجرد نقل التصريحات باتجاه استجلاء حقيقة الموقف الرسمي، أو من بيده قرار الحرب فعلًا. وهو ما فعله مثلًا محمد فضيلات في تقريره لصحيفة «العربي الجديد»، وبسام بدارين في تقريره لصحيفة «القدس العربي» الذين نشرا في اليوم نفسه، 8 ايلول، تقارير من عمان تشكك في «دقة» تصريحات النسور والكلالدة وتنقل عن مسؤولين «مجهولي الاسم» تأكيدهم مشاركة الأردن.

على أن الخبر «اليقين»، حول قرار المشاركة في التحالف الدولي ضد «داعش» كان قد اتخذ حتى قبل انعقاد قمة «الناتو» وقبل تصريحات أوباما، وكان لدى صحيفة «المجد» الأسبوعية، التي خرجت عن «نمطية» هذه التغطية، في نقل تصريحات المسؤولين، دون مزيد من «التدقيق» أو التمحيص في خفايا الموقف قصب السبق في الكشف عن المشاركة، إذ انفردت «المجد»، 8 أيلول، بنشر تقرير مطول، أكدت فيه على لسان مصادر وصفتها بالمطلعة أن الأردن قرر المشاركة في الحرب ضد «داعش» ضمن تحالف دولي.

وأكدت «المجد» وفقًا لما وصفته بـ«مصادر مطلعة» أن «الملك… اجتمع مع قادة سائر التشكيلات العسكرية، قبيل سفره مصحوبًا برئيس الأركان إلى بريطانيا…، وطلب منهم الاستعداد لنشاط عسكري وشيك في مواجهة تنظيم داعش الإرهابي الذي يحتل مساحات واسعة من الأراضي العراقية».

لكن تقرير «المجد» هذا، أو بالأحرى «انفرادها»، الذي ستؤكد التطورات اللاحقة دقته لم يحظ بأي اهتمام جدي لدى الصحف وبقية وسائل الإعلام، التي استمرّت في تغطية أخبار التحالف نقلًا عن وكالات الأنباء العالمية، مركزة على جولة وزير الخارجية الأميركي للمنطقة في حينه، لإقناع الدول العربية المشاركة في التحالف.

لقد تم تمرير مشاركة الأردن في التحالف الدولي ضد «داعش» كأمر واقع، إذ لم نقرأ في الصحف أو نسمع أي تصريح علني يقول أو يؤكد المشاركة، ولم تسع أي من وسائل الإعلام إلى استجواب أو الحصول على أي تصريح كهذا. بيد أن ما هو أبعد من عدم تغطية أو تناول قرار المشاركة كان في دور وحجم مشاركة الأردن في هذا التحالف.

هنا أيضًا لم تسع التغطية الإعلامية إلى تقصي دور وحجم المشاركة وحتى الأعباء المالية التي يتحملها الأردن، وبقي المواطن يعتمد في ذلك على تسريبات أو تقارير صحف عربية واجنبية، مثل تقرير صحيفة «العربي الجديد»، 2 تشرين الاول، الذي لاحظ شح المعلومات بهذا الصدد إذ يقول :«أن الكلفة المالية للغارات التي يشنّها سلاح الطيران الأردني، ضمن التحالف الدولي، على أهداف (داعش)، تحاط بسريّة مطلقة، وهي الكلفة التي وصفها خبراء عسكريون بـ«الباهظة»، ويصعب تحديدها مع شحّ المعلومات حول نوع الطائرات المشاركة والمسافة التي تقطعها والأسلحة التي تستخدمها».

وسيبقى حجم المشاركة «سرًا» بدون متابعة، حتى بعد قيام تنظيم «داعش» بنشر «تفاصيل» المشاركة على لسان الطيار الكساسبة في المقابلة التي سبقت اغتياله، ونشرها التنظيم في مجلته «دابق» في كانون الأول الماضي.

هذا الأمر سينطبق كذلك على حجم مشاركة الأردن في عاصفة الحزم، الذي لن تطلعنا وسائل الإعلام المحلية عليه، فيما طالعناه على موقع العربية، 10 آذار، إذ نشرت تقريرًا يتحدث عن مشاركة الأردن بتسع مقاتلات حربية.

مع الأخذ بالاعتبار دور الصحافة في البحث وتقصي الحقائق والمعلومات وتدقيقها ونشرها، كمهمة أساسية لها، لكن لا يمكن تحميل الصحافة ووسائل الإعلام مسؤولية «شح المعلومات» و«ارتباك» الرواية الرسمية التي لاحظناها أو تحدث عنها تقرير للـ«العربي الجديد» وتقرير غادة الشيخ في «الغد» 30 أيلول، وجورج حواتمة في مقال له على موقع «صحفي»، وآخرين، إذ أن الجهات المسؤولة، وخاصة القوات المسلحة الأردنية تكتمت تمامًا حول المشاركة وحجمها، ولم تعمد إلى انتهاج أسلوب القوات السعودية أو الاميركية، مثلًا، في عقد مؤتمرات صحفية، أو في إصدار بيان يومي لنشاطاتها في التحالفين.

ستتخلى القوات المسلحة، لوقت قصير، عن تكتمها، وستعمد في 26 تشرين الثاني الماضي إلى تعيين ناطق رسمي باسمها، لأول مرة منذ تشكيل الجيش، هو العقيد ممدوح العامري، بحسب خبر خاص بـ«الغد» في 26 تشرين الثاني.

ويبدو أن تعيين ناطق رسمي للقوات المسلحة أتى بعد تدفق كبير للمعلومات، ليس حول مشاركة الأردن في التحالف الدولي، بل حول حجم القوات الأجنبية، التي أرسلت إلى الأردن للمشاركة في التحالف، خاصة الأنباء حول عدد المقاتلات الفرنسية التي أرسلتها باريس إلى الأردن، وقبلها الأنباء المتضاربة حول عدد الجنود الأميركيين الذين أرسلوا للأردن.

ويبدو أن القوات المسلحة وعت أهمية «تأطير» التغطية الإعلامية، أو على الأقل، عرض وجهة النظر الرسمية التي بقيت في الظل، وكان من الصعوبة بمكان أن تحصل الصحافة على أي معلومات أو ردود رسمية.

وجاء في خبر بزاوية «زواريب» في «الغد»، 27 تشرين الثاني أن «القوات المسلحة تعتزم تفعيل دور الناطق الرسمي باسمها في المرحلة المقبلة. رئيس هيئة الأركان المشتركة قرر أخيرًا تعيين العقيد ممدوح العامري مديرًا للتوجيه المعنوي وناطقًا رسميًا باسم القوات المسلحة». ومع ذلك فقد بقيت القوات المسلحة تتكتم حول المعلومات، ولم يزد عدد التصريحات والبيانات المتعلقة بالمشاركة في التحالف، التي صدرت عن العقيد العامري على أربع تصريحات، ولن يصدر عنه أي بيان أو تصريح حول مشاركة الأردن في «عاصفة الحزم».

في المجمل، اتسمت التغطية الإعلامية للتحالف الدولي ضد «داعش»، والمشاركة الأردنية، في هذه المرحلة، بأنها كانت كثيفة جدًا، متعددة المصادر، بما في ذلك، الاعتماد على مصادر «داعش» نفسه. كل ذلك في ظل شح المعلومات الرسمية، التي لم يغير عليها تعيين ناطق رسمي للقوات المسلحة أو مؤتمرات وتصريحات الناطق باسم الحكومة شيئًا، وبقيت وسائل الإعلام المحلية تعتمد على الوكالات الأجنبية في تغطية المشاركة. كذلك بقيت التغطية متنوعة في «الرأي»، بين معارضين للمشاركة ومؤيدين لها.

ثالثًا: فرض الصمت: مرحلة ما بعد أسر وإعدام الطيار معاذ الكساسبة

في الرابع والعشرين من كانون الأول الماضي، أعلن تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» عن إسقاط مقاتلة أردنية فوق محافظة الرقة السورية وأسر طيارها.

كان من «الطبيعي» أن يصور «داعش» إسقاط المقاتلة الحديثة كعمل خارق ونصر مبين، ويبالغ في خوض حربه الإعلامية النفسية، من خلال سيل من الصور والتعليقات والأخبار، من جهة، والتكتم حول مصير الطيار الكساسبة ومكان وجوده من جهة أخرى.

في المقابل، شكل إسقاط المقاتلة نوع من «الصدمة» لوسائل الإعلام، وربما لقيادة التحالف نفسها، ولقد انشغلت وسائل الإعلام في حينها بـ«كيفية» إسقاط أو سقوط المقاتلة أكثر من مصير الطيار الكساسبة.

وفي يوم إسقاط الطائرة والأيام الأولى التالية ركزت وسائل الإعلام، مستفيدة من تصريحات «مصدر مسؤول في القوات المسلحة»، وتصريحات التحالف الدولي، على نفي «فرضية الإسقاط»، ونشرت بعض الصحف، مثل السبيل 25 كانون الاول، «سيناريوهات» لسقوط الطائرة، وليس إسقاطها.

وبدا أن وسائل الإعلام دخلت في «حرب نفسية إعلامية» مضادة لحرب «داعش» الإعلامية، من جهة، ومن جهة أخرى، استمرت بنشر أخبار وتقارير متضاربة حول أسر الطيار وإسقاط طائرته، بما في ذلك النقل عن المواقع الموالية لتنظيم «داعش»، وكل ذلك في ظل ارتباك واضح أو نقص في المعلومات الرسمية.

يرى أستاذ التشريعات الإعلامية في معهد الإعلام الأردني صخر الخصاونة، أن «التغطية الإعلامية المتعلقة بقضية اختطاف الطيار الأردني، خاصة في أول ثلاثة أيام لم تعتمد على مصادر موثوقة، وكانت جميع المصادر مجهولة، خاصة في الأخبار التي تتضمن مفاوضات أو جهودًا حكومية، ويرجع السبب إلى صدمة الإعلام الرسمي من الخبر وتأخر الإعلان الرسمي وسرعة تداول الأخبار على مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية»، بحسب صحيفة القدس العربي، 14 كانون الثاني.

ويرى الصحفي نبيل غيشان أن :«إعلام الدولة ارتبك كما أن أدواته الإعلامية معطلة، فقضية اختطاف الطيار ليست بالأمر السهل. كانت صدمة لجميع الأردنيين وبدأوا بالتركيز على التجييش ضد «داعش» ورفع التعاطف مع أهل الطيار، لكن بالنهاية عليها أن تتعامل بمهنية أكبر».

وخلافًا لوسائل الإعلام التقليدية، من صحف وفضائيات، التي ستبقى ملتزمة بشكل كبير بالتصريحات الرسمية، ومتحفظة إجمالًا، فقد تسابقت المواقع الإلكترونية، في تغطية المفاوضات مع تنظيم «داعش»، ونقلت أخبارًا وتصريحات متضاربة من مصادر عدة، حول «صفقة» الإفراج عن الرهينة الياباني ومعاذ مقابل سجناء «القاعدة» في الأردن، أو في نقل صور واخبار من مواقع «داعش»، لتسحب المواقع لاحقًا ستسحب المواقع كل صور معاذ التي بثها التنظيم، بعد قرار النائب العام بحظر النشر.

لكن الحكومة، ممثلة بهيئة المرئي والمسموع، والقوات المسلحة والنائب العام سوف «تضيق» بهذه التغطية، وخصوصًا تغطية المواقع، وتبدأ هجومًا مضادًا بهدف «ضبط» الإعلام ومنعه من نقل كل ما يخالف الرواية الرسمية، وخاصة النقل عن مواقع التنظيم.

وستبدأ الأجهزة التنفيذية «هجومها» هذا بحجب موقع «الكون نيوز» ، إذ جاء في خبر نشرته عدة صحف ومواقع إلكترونية، في 27 كانون الأول، أن هيئة الإعلام المرئي والمسموع، حجبت موقع الكون نيوز الإخباري، وذلك على خلفية نشره خبرًا اعتبر «مسيئًا للطيار الأسير معاذ الكساسبة وعائلته والأردنيين»، وفق مدير المكتب الإعلامي والصحفي والمواقع الإلكترونية في الهيئة أيمن عربيات.

وقال عربيات إن حجب الموقع «ليس له علاقة بتقييد الحريات الإعلامية بصلة»، موضحًا «أن الوضع حساس جدًا فيما يتعلق بالكساسبة، ويتوجب أخذ الحيطة من كل الإعلامييين الأردنيين فيما ينشرونه احترامًا لمشاعر الأردنيين وعائلة الطيار». ودعا وسائل الإعلام إلى «أن يقفوا نفسيًا ومعنويا لدعم الكساسبة».

أما مالك الموقع الدكتور نادر الكساسبة فقد قال إنه «تم إيقاف الموقع قبل صدور تعميم من قبل النائب العام بحظر نشر الأخبار التي يبثها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وتعتبر مسيئة لقضية الطيار»، معتبرًا «حجب الموقع تقييدًا للحريات الإعلامية».

وبالفعل فإن عملية حجب الموقع سبقت بساعات قرار النائب العام بحظر نشر الأخبار التي يبثها «داعش» حول الطيار الأسير، هذا القرار الذي اتخذه النائب العام في الخامس والعشرين من كانون الأول، بالتزامن مع تصريح للناطق الرسمي باسم القوات المسلحة جاء فيه: «أن المسؤولية الوطنية والمهنية الصحفية تقتضي من جميع وسائلنا الإعلامية الوطنية أن لا تتسابق إلى نشر المعلومات حول اي قضية تمس الأمن الوطني وأن تقف في خندق الوطن وخلف قواته المسلحة، وأن تراعي مشاعر ذوي الطيار وأن تتعامل بكل مسؤولية مع هذا الحادث الجلل». مضيفًا :«أن القوات المسلحة الأردنية (الجيش العربي)، ستقوم بتزويد وسائل الإعلام بكل ما يستجد من معلومات حول هذا الحادث، مع مراعاة مقتضيات الامن الوطني وبما لا يؤثر على الخيارات المتاحة للتعامل معه».

لاحقا ستضم «نقابة الصحفيين» و«مركز حماية وحرية الصحفيين» صوتها إلى جانب الحكومة والجيش في «دعوة وسائل الإعلام المختلفة لتوخي الدقة وتحري الحقيقة فيما ينشر حول قضية الطيار الأردني معاذ الكساسبة».

لكن لا الحكومة ولا القوات المسلحة ستزود الإعلام بأي معلومات حول أسر الطيار، أو أي معلومات أخرى حول المشاركة. هذا الأمر سوف يؤثر كثيرًا على أداء الإعلام الذي لم يعد «يعرف» أي أخبار سوف تعتبر صالحة للنشر أو غير صالحة للنشر، وتقع تحت طائلة القانون، وليس غريبًا أن يدعو إعلاميون وصحفيون الى: «إنشاء مركز إعلامي لقيادة الأزمات والتدريب الصحفي، بهدف التعاطي مع الأحداث الطارئة إعلاميًا، مطالبين بـ«اتخاذ قضية الطيار معاذ الكساسبة، درسا في التعلم من أخطاء وقعت فيها وسائل إعلامية»، بحسب تقرير للـ«الغد» .

بين نقص المعلومات الرسمية وارتباك المؤسسات الحكومية في التعامل مع الحدث، ونقص «خبرة» الصحافة وضعف التدريب المهني في تغطية الازمات والحروب، و«الفورة الوطنية» التي عبرت عنها فعاليات حزبية ونقابية وبرلمانية، وعشرات كتاب الاعمدة في الصحف والمواقع الالكترونية بعد أسر الكساسبة، اتجهت التغطية نحو «التوحد»، وغاب عنها التعدد والتنوع وغلبت عليها«النزعة العاطفية والفزعة»، على ما يقول الصحفي فيصل الشبول في تقرير صحيفة «القدس العربي».

وتلخص الصحفية رنا الصباغ حال التغطية الإعلامية في مقال لها بصحيفة الغد، بعنوان: «متلازمة «ممنوع النشر» في مواجهة حرب «داعش» الدعائية»، بالقول: «من تابع الحوارات في الفضاءات الافتراضية الأعلى سقفا مقارنة مع أجواء التكتم المسيطر على وسائل الإعلام التقليدية، العامة والخاصة -طوعًا، نتيجة رؤية تحريرية، أو انصياعًا لأوامر عدم النشر لحساسية الموقف- إما أصيب بصدمة لسذاجة بعضها، أو شعر بالغثيان حيال ما عكسه بعضها الآخر من رؤى مقززة».

وعلى أي حال فإن وسائل الإعلام لم تحل المعادلة الصعبة بين «حق الجمهور في المعلومة وحق الدولة في الحفاظ على أمنها وحماية حياة الطيار واحترام خصوصيته وعدم انتهاك كرامته».

وفيما ستبقى حالة التكتم الرسمي على المعلومات، ستستمر أيضًا حالة «القمع» لمنع النشر أو «تاطيره»، إذ بعد حادثة حجب موقع «الكون نيوز»، أغلقت محكمة امن الدولة موقع «سرايا نيوز»، وتم توقيف ناشره هاشم الخالدي ومدير تحريره سيف عبيدات ووجّهت لهما تهمة «استخدام وسائل إعلامية للترويج لأفكار جماعة ارهابية، والقيام بأعمال من شانها تعريض سلامة الأردنيين لخطر أعمال عدائية وانتقامية، خلافا لأحكام المادتين 3 و 7 من قانون منع الإرهاب رقم 55 لسنة 2006 وتعديلاته».

على أن حالة «الفوضى» و «الارتباك» التي سادت التغطية الإعلامية لأسر الطيار، بحسب وصف بعض الإعلاميين، ستبدأ بالتلاشي شيئًا فشيئًا لتميل التغطية نحو «الفزعة العاطفية»، بحسب تعبير الخصاونة، وستنتهي تمامًا هذه الحالة مع إقدام «داعش» على إعدام الطيار.

بعد إقدام «داعش»، في الثالث من شباط الماضي، على بث مقطع مصور يظهر عناصرها وهم يحرقون الطيار معاذ الكساسبة حيًا، لم يعد «مسموحا» لأي صوت معارض للحرب أن يظهر في وسائل الإعلام. وخاض المؤيدون للحرب والمشاركة الأردنية فيها هجومًا مضادًا ضد كل من رفع صوته قائلا: «ليست حربنا». يقول عريب الرنتاوي في مقاله له بصحيفة «الدستور»: «هنالك من لا يزال يعتقد بأنها «ليست حربنا» … إن لم تكن هذه هي حربنا، فحرب من هي إذن؟».

وقد لاحظ كثير من المراقبين هذا التحول، ففي مقال بعنوان «تصنيع الصمت: حول حرب الأردن على «داعش» والسلطوية العربية والإمبراطورية الأميركية» يقول الكاتب زياد أبو ريش: «بات فتح أي نقاش حول أسر «داعش» للكساسبة والحصول على أي رد من القوات المسلحة الأردنية مستحيلًا، لتضيق المساحة الممكنة لأي استجواب أو جدل حول السياق الأوسع لما حصل، أو تفاصيله الدقيقة، أو سياسة النظام العسكرية المقبلة».

من الواضح أن الصحفيين الأردنيين بدأوا منذ أسر الكساسبة وتاليًا إعدامه، ومع تنامي النزعة أو الفورة الوطنية، إلى التعامل مع انفسهم كـ«مواطنيين» وطنيين وليس كـ«صحفيين»، لدرجة أن أغلبهم عبر عن استعداده للتضحية بحرية الإعلام وبوظيفتهم كصحفيين متحولين إلى رجال دعاية.

يقول الكاتب كمال فريد في موقع «راديكال»: «الرؤوس الحامية ستتهم أي حديث عن معاذ في سياق عام بالخطاب اللاوطني والتخوين، وهنالك رؤوس حامية أخرى سترى أي موقف خارج الاصطفاف الأعمى إلى جانب القوات المسلحة والقرار السياسي الذي يحركها، محض خيانة».

هذا «الاصطفاف الاعمى» سيصل ذروته عندما ستبدأ عملية «الانتقام» لإعدام الكساسبة وبدء سلاح الجو بقصف مواقع لـ«داعش»، مدفوعة بـ«الفورة الوطنية» و«اللحمة الوطنية»، وهذه مصطلحات روجتها وسائل الإعلام، التي تجلت بعد إعدام الكساسبة ستبدأ وسائل الإعلام بـ«التهليل» لهذه الضربات.

هذه «الفورة الوطنية» التي ساهمت الصحافة في تصنيعها، أصبحت عبئًا على الصحافة نفسها، إذ صار من الصعب العثور على أي مقال نقدي للحرب أو للسياسات الخارجية، طالما سوف يفسر هذا النقد على أنه «خيانة» وطنية.

وفي المجمل، فقد غاب عن التغطية في مرحلتها هذه الآراء النقدية، وغلب عليها تجاهل الضحايا المدنيين، وعدم التدقيق في الأخبار الرسمية ونقلها كما هي وغالبًا بعناوين تتسم بـ«النزعة العاطفية» وتغييب السياق التاريخي، لا بل تصنيع سياق سياسي وثقافي جديد لتسويغ الحرب، وتصويرها على أنها حرب «سياسية ثقافية» دون النظر إلى الضحايا المدنيين والخسائر التي لحقت بهم، وأخيرا تغييب أي حل آخر سوى الحرب، أو كما تقول سارة عبيدات في مقال ترجمه ونشره موقع «حبر» بعنوان «الغارات الجوية ليست السبيل لتكريم معاذ الكساسبة»: «حين نطلب الانتقام ونهلل للضربات الجوية، فهل نحن نتذكر معاذ الكساسبة؟ هل نوقف بذلك حقًا الموجة المقززة من الفظائع التي ترفع شعار التطرف الإسلامي؟ أم أننا ببساطة نشرعن حربًا أخرى ليس لدى سكان المنطقة طاقة لخوضها؟».

رابعًا: مرحلة الحرب في اليمن: من «تصنيع الصمت» إلى «صناعة الإجماع»

في الخامس والعشرين من آذار الماضي جاء في الأخبار أن «مقاتلات مجهولة شنت عدة غارات على مواقع تابعة للحوثيين، وفي اليوم التالي، أعلنت العربية السعودية تشكيل تحالف من عشر دول لـ«دعم الشرعية» وبدء عملية «عاصفة الحزم».

وفي هذه المرة اختار «صانع القرار» أن يعلن صراحة وبسرعة وبوضوح عن مشاركة الأردن في هذا التحالف.

إذ نقلت وكالة الانباء «بترا»، 26 آذار، تصريحا مقتضبا جدًا لمصدر مسؤول يعلن فيه: مشاركة الأردن مع العديد من الدول العربية في عملية عاصفة الحزم لدعم الشرعية في اليمن.

وتناقلت وسائل الإعلام المحلية هذا التصريح، نصًا، لكن بعضها نسبه لنفسه، كما فعلت صحيفة الغد وموقع عمون و العرب اليوم مثلًا، فيما نسبته صحف اخرى كالرأي إلى مصدره الأول، بترا.

لن تتابع الصحافة وتتقصى حجم المشاركة المحلية في «عاصفة الحزم»، وسيسمع المواطن الأردني من قناة «العربية»، 27 آذار، أن الأردن يشارك بست مقاتلات. فيما لا تزال أخبار مشاركة الأردن في المعارك البرية الجارية في عدن دون متابعة وتحقق. وستشكل قناة «العربية» مصدرًا لأخبار المشاركة الأردنية في «عاصفة الحزم»، لمواقع وصحف محلية.

على الرغم من أن قرار تشكيل التحالف وتاليًا قرار مشاركة الأردن فيه جاء مفاجئًا، وبدون إعداد مسبق للرأي العام تساهم وسائل الإعلام بقسطها فيه، إلا أن الأجواء كانت أصبحت مهيأة لهذه المشاركة.

وقد حظيت هذه المشاركة بتغطية إعلامية أقل من تلك التي حظي بها التحالف ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وقد اعتمدت في أغلبها على تقارير وأخبار وكالات الأنباء الأجنبية، فيما عدا الأخبار التي تخص الأردنيين في اليمن، وحظيت تصريحات وبيانات الناطق باسم التحالف، أحمد العسيري، باهتمام ملحوظ من قبل وسائل الإعلام المحلية.

وخلافًا للتعدد والتنوع الذي اتسمت به التغطية الإعلامية للتحالف ضد «داعش»، خاصة في المرحلة ما قبل أسر الطيار الكساسبة، يكاد يكون من المستحيل أن نجد في التغطية الإعلامية للحرب في اليمن أي صوت نقدي حقيقي. كما غاب عن التغطية التعدد في المصادر، وتحديدًا الاستعانة بتلك المصادر الموالية للحوثيين أو إيران. وبدا واضحًا أن وسائل الإعلام المحلية تبنت بالكامل الرواية الرسمية الأردنية والسعودية.

ولجأت وسائل الإعلام خلال التغطية إلى استخدام المفردات اللسانية التي تستخدمها قيادة التحالف أو الإعلام السعودي والخليجي خلال تغطيتها لهذه الحرب، مثل «عاصفة الحزم»، وتجنب استخدام مفردات مثل «الحرب في اليمن»، أو «العدوان على اليمن»، أو استخدام مفردة «الحوثيين» عوضا عن استخدام التسميات الرسمية التي تطلقها هذه الجماعة على نفسها «انصار الله» أو «اللجان الشعبية»، وظهرت وسائل الإعلام المحلية وكأنها باتت تابعة كليًا لوسائل الإعلام السعودية.

وليس خافيًا البعد الدعائي والتضليلي لاستخدام هذه المفردات اللسانية والتغطية على الأبعاد المأساوية للحروب، كتسميتها: عاصفة الحزم، إعادة الأمل، العزيمة الصلبة، أو كتلك التي كانت تستخدمها إسرائيل في حروبها على غزة ولبنان، مثل عناقيد الغضب، عامود السحاب، سلام الجليل… أو مفردات مثل الدروع البشرية، الحروب النظيفة، الصواريخ الذكية…

والى جانب اعتماد الرواية الرسمية الأردنية والسعودية للحرب، فقد حظيت الاصوات المؤيدة للحرب والمشاركة الأردنية فيها باهتمام الصحافة مع تغييب أي رأي ناقد أو معارض.

فقد اهتمت الصحف والمواقع، مثلًا، ببيان جماعة الاخوان المسلمين المؤيد للحرب في 26 آذار، ونشرته بعضها، على غير عادة، كاملًا. وكذلك الحال مع بيانات أحزاب أخرى دعمت الحرب، أو بيان مجلس النواب، 30 آذار، الذي أعلن فيه المجلس تأييده للمشاركة.

في المقابل تجاهلت التغطية الأصوات المعارضة تمامًا، يقول الكاتب ناهض حتر في مقال له في صحيفة الأخبار اللبنانية، 28 آذار: «في بيان صدر عن المجلس الأردني للشؤون الخارجية، ووقّعه ممثلو قوى الحركة الوطنية، جاء فيه إدانة شديدة للعدوان السعودي على الشعب اليمني الشقيق، ورفض تام للمشاركة في هذا العدوان الذي يسيء إلى مصالح الأردن الاستراتيجية، ويهدر كرامة الأردنيين. موقع إلكتروني واحد نشر هذا البيان؛ فالأردن يعيش حالة واقعية من الأحكام العرفية؛ كل الأصوات المعارضة أو المعترضة على السياسات الرسمية الخارجية، لا مكان لها في وسائل الإعلام المحلية، بما فيها المواقع الإخبارية الالكترونية التي تحظى بشعبية، وتكسر، عادة، حاجز الصمت، ولكن الإعلاميين باتوا يتوخّون تلافي المثول أمام المحاكم».

الخط الزمني التالي يوضح أبرز الأحداث المتعلقة بالعدوان على اليمن.

الضحايا المدنيون: تأثيرات جانبية

تعاملت التغطية الإعلامية مع الجانب الإنساني وكأنه «تأثيرات جانبية» للحرب، فقد تجاهلت التغطية، إلى حد كبير، تأثير الحرب على المدنيين في اليمن وعلى حياتهم اليومية.

في الثالث من أيار، ورد في خبر لوكالة الأنباء الفرنسية ما نصه: «أعلنت منظمة هيومن رايتس ووتش أن الائتلاف الذي تقوده السعودية استخدم ذخائر عنقودية محظورة من صنع أميركي في غاراته الجوية على مواقع للمتمردين الحوثيين في اليمن».

وفي 30 آذار، أعلنت منظمة الهجرة الدولية ومصادر يمنية عن سقوط عشرات القتلى والجرحى جراء قصف جوي استهدف مخيم المزرق في محافظة حجة، شمال غرب اليمن. واتهمت هذه المصادر تحالف «عاصفة الحزم» بقصف المخيم.

وفي 31 آذار، أعلنت مصادر يمنية عن سقوط أكثر من عشرين قتيلًا جراء قصف جوي لمصنع ألبان في مدينة الحديدة، واتهمت المصادر التحالف بقصف المصنع الذي كان المدنيين يستخدمونه كملجأ، بحسب بي بي سي، 30 آذار.

وفي 31 آذار أعرب المفوض السامي لحقوق الإنسان الأمير زيد بن رعد عن صدمته من قصف مخيم المرزق.

يمكن أخذ هذه الأخبار على سبيل المثال لتأثير القصف الجوي على المدنيين، لكن كيف تعاملت وسائل الإعلام المحلية معها؟

تجاهلت صحف الرأي والدستور والسبيل، وكل المواقع الكبرى عمليًا خبر البيان الصادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش، فيما أولت اهتمامًا لتصريحات العسيري التي نفى فيها استخدام هذا النوع من القنابل المحظورة دوليًا. ونقلت صحيفة «السبيل» نفي مسؤول كويتي لامتلاك دول الخليج هذه القنابل، نقًلا عن «وكالات».

صحيفة «الدستور» تجاهلت تمامًا أخبار قصف المخيم ومصنع الألبان، ورد فعل الأمير زيد بن رعد.

صحيفة الرأي أوردت، 31 آذار، خبر قصف المخيم في سطرين فقط ضمن تقرير مطول عن مجريات عمليات العاصفة، وتجاهلت قصف مصنع الألبان تمامًا. فيما تجاهلت ردود الفعل على القصف تمامًا، على الرغم من أن رد فعل الأمير زيد بن رعد وزعته وكالة الأنباء بترا في خبر مطول.

أوردت صحيفة الغد خبر قصف المخيم، ورد فعل الأمير زيد، فيما تجاهلت خبر قصف موقع الألبان.

صحيفة العرب اليوم أوردت خبر رد فعل الأمير زيد، فيما تجاهلت خبر قصف المخيم والمصنع.

صحيفة السبيل أوردت أخبار قصف المخيم ورد فعل الأمير زيد، لكنها أبرزت الاتهامات التي وجهتها صنعاء للحوثيين في التسبب بقصف المخيم.

فيما نقل موقعا عمون وخبرني خبر رد فعل المفوض السامي لحقوق الإنسان عن وكالة بترا.

لن تصمد قيادة التحالف أمام الأخبار والتقارير المؤكدة عن الضحايا المدنيين وعدم دقة القصف الجوي والكارثة الإنسانية المحدقة باليمن، فأعلنت في 21 نيسان وقف عملية «عاصفة الحزم» وبدء «عملية إعادة الأمل»، وظهر الأمر في البداية وكأن التحالف أوقف الحرب، ليتضح لاحقًا أن الأمر برمته كان مجرد تغيير التسمية، وهو أمر لم يغير شيئا في التغطية الإعلامية لدى وسائل الإعلام التي استمرت في تبني الرواية الرسمية المحلية والسعودية، مستخدمة نفس تعبيرات قيادة التحالف والاتهامات للـ«حوثيين» باستخدام «المدنيين كدروع بشرية» لتبرير سقوط هؤلاء الضحايا.

التغطية الإعلامية الأحادية، التي أظهرت دعمًا للحرب، أو دعمًا للرواية الرسمية، من حيث القيم الإخبارية، أخبار، تقارير، صور..إلخ، سوف تسحب نفسها على مقالات الرأي إيضًا، إذ من الصعب العثور على أي مقال نقدي للحرب.

بعض الكتاب اعتبر الحرب «حربًا مذهبية»، ففهد الخيطان في مقال له في «الغد»،29 آذار، بعنوان: «هذه هي حقيقة الحرب»، اعتبرها مواجهة «سنية شيعية، قطباها السعودية إيران»، فهل كان هذا الدعم ناجمًا عن «نزعة طائفية»؟

التفسير الثاني لأحادية التغطية هو القمع الذي تتعرض له وسائل الإعلام، أو كما قال ناهض حتر في المقال المشار له سابقًا في تفسيره غياب الرأي المعارض للحرب، لوجود أحكام عرفية واقعية.

والحال، فإن قمع الرأي الآخر استمر، فقد أحال مدعي عام عمان الكاتب جمال أيوب، 23 نيسان، إلى المحكمة بتهمة تعكير صفو العلاقات مع دولة عربية، بسبب مقال نشره على المواقع الإلكترونية حول «عاصفة الحزم».

فهل يمكن تفسير صمت أو غياب الرأي الآخر بهذا القمع، على ما يقول الصحفي يحيى شقير في مقال له عن اليمن، في العرب اليوم، بعنوان «مصائد مغطاة بالقانون»، 7 نيسان: «الآن أنا مضطر أيضًا للتوقف عن التحليل خشية أن يتم تفسير المقال بأنه «قد يعكر صلات الأردن بدولة أجنبية»، وتتم إحالتي لمحكمة أمن الدولة برفقة رئيس التحرير طبعًا».

هناك سبب آخر يتمثل في تنامي النزعة الوطنية للصحفيين أنفسهم، وتعامل الصحفيين مع أنفسهم كمواطنين أولًا وصحفيين ثانيًا، وتفسيرهم الوطنية على أنها تبني قرارات السلطة والدفاع عنها، وعدم التمييز بين الاختلاف في الرأي والموالاة، بحسب ما يقول مروان المعشر في مقال له في «الغد»، 18 اذار.

ماذا تفعل الحروب بوسائل الإعلام؟

تبدو مهمة وسائل الإعلام وقدرتها على القيام بوظيفتها كـ«حرس للبوابة» مهمة مستحيلة في أوقات الحروب والأزمات الوطنية، وعندما يسود جو من التخويف وتتنامى النزعة الوطنية تكون الحقيقة أول الضحايا.

لقد أثبتت التغطية الإعلامية الداعمة للحرب على «داعش»، خصوصًا بعد أسر وإعدام الطيار معاذ الكساسبة، والتغطية الداعمة بشكل غير مسبوق لـ«عاصفة الحزم»، أن ما يجري في الإعلام عندنا لا يختلف عما يجري في أي بلد في العالم في أوقات الحروب، حيث يتوقف الإعلام عن أداء وظيفته، وتأفل الصحافة، وتتحول نحو «الدعاية» أو «البروباغندا»، حيث تتسم التغطية بنقص المعلومات، وتصنيع السياق الثقافي والسياسي للحرب، وتصنيع صورة «العدو» الشرير، والتضليل الإعلامي، والدعاية، وتنامي النزعة الوطنية، وربما تنامي النزعة «الطائفية» أيضًا، يضاف إلى كل ذلك نقص الخبرة المهنية في تغطية الأزمات والحروب وارتباك المؤسسات وتضارب الرواية الرسمية.

فهل أسهمت هذه التغطية «الدعائية»، أو بالأحرى، هل كانت المسؤولة عن تشكيل الرأي العام الأردني، وتحقيق التحول الجذري في «مواقف الأردنيين»، من «داعش» و«إيران» و«حزب الله» و«الحوثيين»، الذي تحدث عنه الكاتب محمد أبو رمان؟