إغلاق مكتب الجزيرة في عمّان بين السياسي والقانوني

الخميس 15 حزيران 2017
من ستوديو الجزيرة في نيويورك بالولايات المتحدة. تصوير ستان هوندا، أ ف ب، غيتي إيمجز. عن العربي الجديد.

لم يصمد الأردن الرسمي طويلًا في محاولته النأي بنفسه عن الأزمة الخليجية، قبل أن يقرر تخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي مع قطر، وإلغاء ترخيص مكتب قناة الجزيرة، فيما بدا أنه قرار اتخذ تحت الضغط.

وزير الدولة لشؤون الإعلام محمد المومني كان صريحًا بقوله إنّ هذا القرار جاء بعد دراسة أسباب الأزمة التي تشهدها العلاقات المصرية السعودية الإماراتية البحرينية من جهة والقطرية من جهة أخرى. لكن بغض النظر عن الأسباب التي دفعت الأردن، الدولة المستقلة ذات السيادة، للدخول على خط الأزمة، فلماذا تم الخلط بين السياسي والإعلامي بإلغاء اعتماد مكتب الجزيرة في المملكة؟

محاولة البقاء على شعرة معاوية الأردنية-القطرية، جعلت قرار الحكومة غير مقنع، وخطابها يتناقض مع نفسه. ففي الوقت الذي خفضّت مستوى التمثيل الدبلوماسي، دعت لحل الأزمة على أرضية صلبة تضمن اتفاق جميع الدول العربية، ما زاد من حالة الالتباس دون تقديم إجابات شافية للجمهور، ليبقى الخلاف الأردني-القطري عصي الفهم حتى اللحظة. صحيح أن هذا القرار لا يخضع لسلطة القانون ولا لرقابة القضاء، بوصفه من أعمال السيادة التي تمارسها السلطة التنفيذية، لكن هذا لا يعفي الحكومة من المساءلة أمام مجلس النواب حال انعقاده. فرئيس الوزراء والوزراء مسؤولون أمام المجلس مسؤولية مشتركة عن السياسة العامة للدولة، بحسب المادة 51 من الدستور الأردني.

لكن على كل حال، فإن خفض مستوى التمثيل الدبلوماسي مع قطر دون إلغاء اعتماد مكتب الجزيرة، كان ليبقى بلا قيمة من وجهة نظر الحكومة والدول المحاصرة لقطر، لما يرونه من تداخل بين السياسي والإعلامي في الأزمة القطرية.

منح مكتب قناة الجزيرة الترخيص أو إلغاؤه هو من أعمال الإدارة التي تقوم بها الحكومة، وجزء من وظيفتها الإدارية اليومية. بالتالي فهو عمل إداري، لا سياسي، لذلك وجب أن يخضع قرارها لسلطة القانون ورقابة القضاء.

الحكومة الأردنية تعي أن مكتب الجزيرة في عمان خارج السيطرة الرسمية الأردنية المباشرة، وأن تركه يعمل يعني تغطيته لبعض مفاصل الأزمة الخليجية من عمان، بعد أن غدا لساعات المكتب الأقدر على التغطية بحكم إغلاق عدة مكاتب أخرى في المنطقة، وهذا يسبب غضبًا لكثير من الأنظمة العربية غير الصديقة لحرية الإعلام، خاصة الخليجية منها. لذا استبقت الحكومة هذا الغضب وقرر إلغاء اعتماد المكتب.  

يبرّر مسؤول رسمي عن الشأن الإعلامي، لكاتب هذه السطور، قرار إلغاء اعتماد مكتب الجزيرة بأنه من أعمال السيادة، ويضيف أن مكتب الجزيرة ليس وسيلة إعلام أردنية تخضع لمنطوق المادة الدستورية (البند 3 من المادة 15) التي تحظر تعطيل وسائل الإعلام دون قرار قضائي.

لكن، هل هذا التعليل سليم قانونيًا؟ وهل يميز الدستور بين وسائل الإعلام على أساس جنسيتها؟

إن معيار التفرقة بين أعمال السيادة وبين الأعمال الإدارية الخاضعة لسلطة القانون، ورقابة القضاء، أساسه طبيعة العمل ذاته. أعمال السيادة تباشرها الحكومة في نطاق وظيفتها السياسية، وأعمال الإدارة تقوم بها في حدود وظيفتها الإدارية1، ويكون ذلك «عبر التطبيق اليومي للقوانين والأنظمة والتعليمات، وتصريف شؤون المواطنين والموظفين»2

منح مكتب قناة الجزيرة الترخيص أو إلغاؤه هو من أعمال الإدارة التي تقوم بها الحكومة، وجزء من وظيفتها الإدارية اليومية. بالتالي فهو عمل إداري، لا سياسي، لذلك وجب أن يخضع قرارها لسلطة القانون ورقابة القضاء. لو كان وجود المكتب إشكاليًا من حيث المبدأ، وينتهك بشكل أو بآخر حقًا سياديًا يمتلكه الأردن، فلماذا لم يتم إغلاقه سوى في ظرف سياسي مواتٍ؟ 

لقد أجاز قانون المرئي والمسموع للوزير3 بناءً على تنسيب مدير عام هيئة الإعلام إلغاء أو عدم تجديد اعتماد أي مكتب أو مراسل يخالف القانون أو النظام4. وبيّن نظام اعتماد مكاتب ومراسلي محطات الإذاعة والتلفزيون ما هي المخالفات التي تستدعي إغلاق المكتب أو إلغاء اعتماده، وهي مخالفته للنشاط الذي اعتمد من أجله5، أو عدم تجديد اعتماد المكتب سنويًا، أو عدم تبليغ الهيئة بأي تعديلات تطرأ بشأن هذا الاعتماد6، أو عدم تقديمه قائمة بأسماء العاملين فيه7.

هذه البنود القانونية لم يخالف مكتب قناة الجزيرة أيًا منها. وإذا كان لاتباع الإجراءات المعتمدة في هذه العملية اعتبار، فهل نسّب مدير هيئة الإعلام فعلًا للوزير بإلغاء اعتماد المكتب سندًا لنص القانون؟ أم علم بالقرار من وسائل الإعلام كما علم الجمهور؟ هذا القرار يُعيد المطالب القديمة بضرورة تعديل قانون المرئي والمسموع لضمان استقلالية الهيئة عن الحكومة، بوصفها مؤسسة تنظيم  للمهنة لا رقابة عليها. 

أما فيما يخص عدم انطباق القاعدة الدستورية، التي منع تعطيل الصحف ووسائل الإعلام إلا بقرار قضائي8، على مكتب الجزيرة، فقد ذهب الفقه القضائي إلى أن المطلق يجري على إطلاقه، ما لم يتم تقييده نصًا أو دلالة9، والنص الدستوري يتكلم عن وسائل الإعلام دون تخصيص، لذا فإن حجة التمييز بين وسائل الإعلام على أساس جنسيتها ساقطة بهذا المنطق.

هذا القرار لم يأتِ ليحسن وضع الأردن السيء في حقل الحريات الصحفية، فهي بلد «غير حر» وفق تصنيف منظمة فريدم هاوس لعام 2017، كما أن الأردن تراجع ثلاث درجات في التصنيف العالمي لحرية الصحافة في العام الحالي مقارنة بالعام الماضي، ليتذيل القائمة في المرتبة 138 من أصل 180 بلدًا. كما أنه يبعث برسالة للعاملين والمستثمرين في حقل الإعلام  في الأردن، بأن مشاريعهم لا يحكمها القانون فحسب، بل تخضع لمزاج السلطة السياسية ورغباتها، وربما رغبات غيرها.

مركز حماية وحرية الصحفيين أشار إلى أن قرار الحكومة يساهم في تراجع الأردن على مؤشرات حرية الصحافة العالمية، وأنه لن ينهي قدرة القناة على تغطية أحداث الأردن في زمن وسائل التواصل الاجتماعي.  

ولا ندري ما الإجابة التي سيقدمها وفد الأردن الرسمي في الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان عام 2018، إن سئل لماذا لم يحترم الأردن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي صادق عليه، وقرر أنه يسمو على القانون الوطني وله أولوية التطبيق، وكذلك العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية، إذ نص كل منهما في المادة 19 على حق الإنسان في تلقي المعلومات ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، وبأي شكل أو قالب كانت. 

إن تذرع الدولة بأعمال السيادة، وتراجع امتثالها للدستور واستسهال انتهاكه، يُصادر كفالة الدولة الدستورية لحرية الصحافة والطباعة والنشر ووسائل الإعلام، ويلغي حق الناس في حرية الرأي والتعبير والمعرفة والتماس المعلومات. فمهما كانت حجتها السياسية، لا يجوز أن يتخطى قرارها السياسي حدود الدستور والقانون.


1  قرار محكمة العدل العليا رقم 85 / 1997.
2  قرار محكمة العدل العليا رقم 42 / 2005.
3  الوزير لغايات هذا القانون هو وزير الدولة لشؤون الإعلام.
4  المادة 9 من قانون هيئة الإعلام المرئي والمسموع.
5  البند ب من المادة 4 من نظام اعتماد مكاتب ومراسلي محطات الإذاعة والتلفزيون رقم 61 لسنة 2004.
6  البند أ من المادة 8 من نظام اعتماد مكاتب ومراسلي محطات الإذاعة والتلفزيون رقم 61 لسنة 2004.
7  البند ب من المادة 8 من نظام اعتماد مكاتب ومراسلي محطات الإذاعة والتلفزيون رقم 61 لسنة 2004.
8  البند 3 من المادة 15 من الدستور الأردني.
9  المادة 218 من القانون المدني رقم 23 لسنة 1976.