رأي

الدولة اللبنانية تكافح النكات وجرائم المعلوماتية

الأربعاء 29 آب 2018
مصدر الصورة: www.middle-east-online.com

لم يتوان السياسيون اللبنانيون يومًا عن تبادل الشتائم والإهانات بشكل علني. ارتبط منسوب الإهانات اللفظية وحدّتها طرديًا مع تأزّم الصراع بينهم دون أن يعني ذلك إغلاق الباب أمام التقائهم مجدّدًا متى ما انتفت الحاجة لتأجيج الخصومة.

آخر هذه الأزمات كانت الأزمة التي اندلعت مطلع العام بين رئيس مجلس النواب نبيه برّي ووزير الخارجية جبران باسيل، بعد تسريب فيديو للثاني يصف فيه الأوّل بالبلطجي ويتوعد «بتكسير رأسه».
أدّت هذه الأزمة إلى احتقان مؤيّدي الطرفين ونزولهم إلى الشوارع، إلّا أنّ باسيل عاد وزار برّي منذ أسبوعين. جلس الرجلان أمام بعضهما البعض وتبادلا ابتسامات مجاملة أمام الكاميرات.

«رحابة الصدر» هذه تظل محصورة في تعاملات أفراد الطبقة السياسية مع بعضهم البعض، ولا تتسع للمدوّنين وعموم الشعب المستخدم لمواقع التواصل الاجتماعي. ومع تزايد أعداد مستخدمي الإنترنت في لبنان خلال الأعوام الماضية بدأ «التضييق» بالتزايد، وعزّزه تفرّغ مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية في قوى الأمن الداخلي لاستدعاء المواطنين إلى التحقيق بسبب تدوينات ساخرة أو نقدية نشروها على فيسبوك وتويتر.

مكافحة الجرائم بمكتب غير قانوني

يوحي اسم مكتب «مكافحة جرائم المعلوماتية وحماية الملكية الفكرية» بمكتب متخصّص في ملاحقة جرائم القرصنة والابتزاز الإلكترونيّين، لكن ما يحدث على أرض الواقع هو أن النشاط الأساسي للمكتب محصور في استدعاء مستخدمي وناشطي مواقع التواصل الاجتماعي على خلفية منشورات تطال جهات سياسية ودينية. تحصل هذه الاستدعاءات بناءً على شكاوى تتقدّم بها هذه الجهات. ويجبر معظم من يخضعون للتحقيق على توقيع تعهد بعدم التعرّض للجهة صاحبة الدعوى، لكن هناك حالات أخرى لأفراد احتجزوا لأيّام قبل الإفراج عنهم.

منذ إنشائه بمذكرة صادرة عن المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي في العام 2006، لاحقت المكتب تهمة انعدام قانونيته، فهو أنشئ خلافًا للقوانين التي لا تجيز تنظيم وإنشاء وحدات في قوى الأمن الداخلي إلّا بمرسوم يتّخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير الداخلية، بعد استطلاع رأي مجلس القيادة في قوى الأمن الداخلي. تجاهلُ هذه العملية الطويلة في تأسيسه، لم يمنع المكتب من ممارسة سلطة أمر واقعٍ توسّعت نشاطاته وصلاحياته ليظهر بشكل لافت في السنوات التي تلت الربيع العربي، مع استدعائه صحفيين على خلفية مقالاتهم في صحف ومواقع إلكترونية.

وبدءًا من العام 2014، ولاحقًا بعد حراك صيف العام 2015 جرّاء أزمة النفايات، ارتفعت نسبة من يتم استدعاؤهم إلى المكتب على خلفية نشاطهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

حوّل ذلك المكتب إلى الخصم الألد للصحفيين والناشطين على مواقع التواصل. لكنّ الفضيحة الكبرى التي وقعت هذا العام زادت من النقمة على المكتب وضربت مصداقيته، مضاعِفة من تساؤلات خصومه عن كيفية أدائه لعمله ومن يراقبه.

رائد يلفّق التهم

في تشرين الثاني من العام الماضي اعتُقِل الممثل المسرحي زياد عيتاني بتهمة العمالة لـ«إسرائيل». تصدّر نقاش صحة التهمة من عدمها مواقع التواصل الاجتماعي لعدّة أسابيع، قبل أن يُكشف بعد أشهر قليلة بأنّ القضية ملفّقة برمّتها، وأنّ المسؤولة عنها هي الرئيسة السابقة لمكتب مكافحة جرائم المعلوماتية الرائد سوزان الحاج حبيش التي كانت قد أعفيت من منصبها قبل أسابيع قليلة من اعتقال عيتاني. أمّا سبب تلفيق التهمة فهو الانتقام من عيتاني، لأنها اعتبرته المتسبّب في إقالتها بعد نشره صورة إعجابها بتغريدة مسيئة للنساء السعوديات والنظام السعودي للمخرج اللبناني شربل خليل. فبركت الحاج التهمة بالتعاون مع «هاكر» يعمل مع المكتب، اخترق حسابات الممثّل ولفّق له محاداثاتٍ مع مشغّلة «إسرائيلية» مفترضة.

فتح كشف التلفيق الباب أمام الحديث عن وجود آخرين ممّن تعرضوا للأذى عينه، ولم يمر سوى وقت قصير حتّى تم إطلاق الناشطة في جمعيات تعنى بالدفاع عن حقوق الفلسطينيين جنى أبو دياب بعد توقيفها لأشهر عدّة بتهمة العمالة نفسها. على الرغم من كلّ ذلك لم تجر أيّ تغييرات في المكتب ولم يطرح أحد في مجلسيّ الوزراء والنوّاب مسألة وضعه غير القانوني وآلية عمله للنقاش. واصل المكتب عمله دون أيّ تغيير، ممارسًا نشاطه المفضّل في استدعاء المدوّنين، ولعل قضية المواطن شربل خوري الذي استدعي للتحقيق بسبب نكتة اعتبرت مسيئة للدين المسيحي كانت الأشهر في الأسابيع الأخيرة.

نكتة تؤدي بك إلى التحقيق

في شهر تمّوز الفائت كتب شربل خوري نكتة على صفحته الشخصية على فيسبوك لها علاقة بالقدّيس مار شربل. لم يعرف خوري في لحظتها كمّ المتاعب الذي سيسبّبه هذا المنشور، لكن بعد قليل امتلأ صندوق رسائل الشاب بالشتائم والإهانات وتهديدات بالضرب والقتل والاغتصاب له ولأفرادٍ من عائلته. كيف سبّبت نكتة قد يجدها البعض «مهضومة» ويجدها البعض الآخر سمجة هذا الكمّ من العنف اللفظي، الذي سيتحوّل إلى عنف جسدي عندما يتعرّض خوري للضرب من قبل زميله في العمل؟

يرى خوري في حديث مع موقع «لبنان 24» أنّ ما جرى هو هجوم منظّم من حزب القوات اللبنانية الذي يسخر دائمًا منه. وبحسب كلامه فإن معظم من قاموا بتهديده منتمون أو مؤيّدون للقوات اللبنانية، وكذلك الأمر بالنسبة للشكوى ضدّه التي قدّمها محامٍ ينتمي للحزب نفسه.

بناءً على الشكوى المقدّمة للنيابة العامة تم استدعاء خوري إلى مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية، حيث بقي محتجزًا لمدّة ثماني ساعات قبل أن يخرج بعد توقيعه تعهّدًا، مع قرارٍ قضائي يجبره على إغلاق حسابه على فيسبوك لمدّة شهر كامل. اعتبر البعض هذه العقوبة الغريبة، التي تشبه عقوبات الأهل لأولادهم عند تراجع مستواهم الدراسي، ظالمة بحقّ خوري، فيما رأى البعض الآخر أنّ هذا القرار القمعي في شكله يهدف إلى حماية خوري في مضمونه وإنهاء حالة الاحتقان والتوتّر.

على كلّ حال يظلّ لافتًا تعامل مكتب جرائم المعلوماتية مع الطرف الآخر في القضية، أي أصحاب التهديدات بالضرب والقتل وخلافه، حيث لم يُستدع أحدٌ منهم للتحقيق أو للمساءلة.

تتغيّر الحدود بين الفضائين العام والافتراضي في لبنان بحسب ما يراه أطراف النظام. في قضية خوري، اعتبر القضاء منشور خوري تحقيرًا للدين بدل التعامل معه على أنه نكتة، فيما انعكست الرؤية بالنسبة للرسائل التي وصلت إليه، إذ عوملت على أنّها كلام عادي يُقال في أيّ شجار عابر، لا كتهديد مباشر لحياته. لا يمكن اعتبار هذه الازدواجية في التعاطي مع أطراف القضية حالة استثنائية، إذ مثلما تعمل الطوائف على حماية أفرادها من الطوائف الأخرى، تعمل على منع محاسبتهم عند مخالفتهم القوانين.

في الماضي القريب، وتحديدًا في العام 2014، دافع وزير الخارجية جبران باسيل والتيار الوطني الحرّ عن جان عاصي الذي شتم رئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان على تويتر. استبدل باسيل وقتها صورته الشخصية على تويتر بصورة عاصي مذيّلة بهاشتاغ «كلنا جان عاصي» وغرّد قائلًا إن حرية التعبير مقدّسة وإنّ توقيف الشاب أمر مشين جدًا. أمّا اليوم فإنّ الوزير نفسه يُلاحق كل من تسوّل له نفسه مجرّد انتقاده أو انتقاد رئيس الجمهورية ميشال عون.

«العهد القوي»

يبدو التيار الوطني الحرّ ورئيسه جبران باسيل أنشط من غيرهم في تقديم الشكاوى القضائية بحق المواطنين. دأب مناصرو التيار بعد وصول مؤسّسه الجنرال ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية في العام 2016 على استعمال تسمية «العهد القوي» لوصف فترة حكمه. لكن على الرغم من مرور سنتين على انتخاب عون فإنّ الأوضاع الاقتصادية والمعيشية ازدادت سوءًا وتحوّل التيار الحرّ بشكل تام من «الإصلاح والتغيير»، وهو الاسم الذي تحمله كتلته النيابية، إلى شريكٍ في الفساد والمحاصصة الطائفية. ترافق ذلك مع عداءٍ شديد لجبران باسيل إن كان من مناصري خصومه السياسيين، وهم كثر، وإن كان من المجتمع المدني بسبب سلوكه الطائفي وتصريحاته العنصريّة الفجّة. انفجر كلّ ذلك على مواقع التواصل الاجتماعي هجومًا على عون وصهره، لتكرّ سحبة الاستدعاءات بحجج مختلفة، تارة بحجّة التعرض لرئاسة الجمهورية وتارة بحجّة القدح والذم.

يبدو سعي العونيين لتكريس حرمة المساس بالعهد القوي والتعرّض له مرتبطًا بسعيهم لتعزيز حضورهم في أجهزة الدولة واعتبار أنفسهم أوصياء على حصّة المسيحيين فيها.

قمع عشوائي

في الوقت نفسه لا تقف بقية الأطراف السياسية مكتوفة اليدين، فهي بدورها تتقدّم بشكاوى ضدّ مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي. ويؤدّي التدهور المتزايد في الأوضاع المعيشية وغياب الحلول مع اتخاذ الفساد أشكالًا أكثر وقاحة وعلنية إلى ازدياد النقمة على السياسيين وتحولها إلى نقد وسخرية وشتائم لا حدود لها على مواقع التواصل الاجتماعي، على العكس من الإعلام التقليدي حيث توجد خطوط حمر كثيرة. ولعلّ الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله لخّص في خطابه في الرابع عشر من آب الجاري بمناسبة الذكرى الثانية عشر لحرب تمّوز 2006 نظرة الطبقة السياسية لوسائل التعبير الجديدة بقوله: «في الماضي كان هناك بعض الصحف والتلفزيون وبعض الوسائل الإعلامية ممكن واحد أن يعمل حوار معهم ويحصل هناك ضبط للوضع، لكن اليوم كل شخص جالس في منزله عنده وسيلة إعلام اسمها مواقع التواصل الاجتماعي».

لا يمكن فصل ازدياد تأثير الفضاء الافتراضي على الرأي العام، كما يشير كلام نصرالله، وازدياد رقابة الدولة عليه، عن التردي الشديد في الواقع. يلعب تراجع تأثير المؤسّسات الإعلامية من صحف وتلفزيونات وتردّي حال الحركة الثقافية والنقدية دورًا رئيسًا في تضخّم دور المنصّات الافتراضية لتصير الساحة الوحيدة، أو على الأقل الأهم، للتعبير والنقاش. وإن كان هذا التضخّم يظلّ افتراضيًا معظم الأحيان، إلّا أنّه كافٍ لإخافة دولة مترهّلة يخشى مسيّروها على استقرارها الهش الذي يتيح لهم تقاسم المغانم في محيط مشتعل بالحروب، ويدفعها إلى اعتماد القمع خشية فلتان الأمور.

لكن يظلّ من الصعب تصوّر أنّ دولة منقوصة الهيبة والسيادة في الواقع قادرة على فرض سلطتها على الفضاء الافتراضي. لا يعني ذلك أنّ استدعاء المواطنين والتحقيق معهم سيتوقّف، لكنّه بالتأكيد لن يأخذ مسارًا مشابهًا لما يجري في الدول العربية الأخرى، إذ أنّ مسار القمع الحالي سيظلّ عشوائيًا، حاله في ذلك حال أيّ شيء آخر في لبنان.