المحقّق واحد: المضربون الستة بين سجون السلطة و«إسرائيل»

الإثنين 05 أيلول 2016

«ضحك الشهيد إبراهيم الراعي وسأل الضابط: هل حقّقت مع طاولة؟ فأجاب الضابط: كلا. فقال له الراعي: أنا الآن طاولة، اذهب وحققّ مع الطاولة، وعندما تعود ستجدني قد أصبحت جبلًا».

***

لطالما كانت الزنزانة مجازًا للواقع الفلسطيني، ولطالما كان الأسر طقس عبور للفرد الفلسطيني، يشكل الامتحان الثاني الأكثر «قداسة» بعد الشهادة، وقدرة فرد أو مجموعة ما على الصمود في أقبية التحقيق، وعلى خوض تجربة الأسر، يشكلان بعدًا هامًا وجوهريًا في نجاح تلك المجموعة أو الأفراد في تعميدهم فلسطينيًّا كنماذج تشق سبل البقاء والحياة دون الرضوخ للشرط الاستعماري.

صُممت سياسة الاعتقال التي فرضتها الحركة الصهيونية بالأساس لتكون رادعًا للمجتمع الفلسطيني بأكمله، ولذا من غير المستغرب أن تسفر هذه السياسة عن اعتقال ما يقارب ٧٠٠,٠٠٠ فلسطيني منذ ١٩٦٧. فكان من الطبيعي أن يتولد توافق وطني واجتماعي حول قضية الأسرى، حيث أنها قضية تمس الغالبية العظمى من المجتمع الفلسطيني، وغالبية شرائحه بمختلف أشكالها. لذا، يشكل «توافق» الحركات الوطنية الفلسطينية على قضية الأسرى إحدى بوّابات عبورها نحو تمرير مشاريعها المختلفة، وإصرار النخبة الفلسطينية الحاكمة حاليًا على إطلاق سراح أسرى في سياق العملية السلمية التفاوضية يأتي كأحد وجوه الابتزاز الرخيص، الهادف نحو تدعيم تلك العملية شعبيًا.

ولا يمكن الفصل بين قضية الأسرى وقدرة المقاومة على توسيع حاضنتها الشعبية والسياسية. ففي مراحل مختلفة، تبنت التنظيمات الفلسطينية سياسات ممنهجة لحصر ضرر الوقوع في الأسر، وتدعيم البنية النفسية للفرد المناضل وإمداده بمعرفة مسبقة حول آليات الاعتقال والتحقيق، كتعميم منشورات وكتب من أهمها «فلسفة المواجهة وراء القضبان»، أو إدخال الأفراد في تدريبات نفسيّة تقوم على محاكاة تجربة الاعتقال، لتصل تلك السياسات إلى حد «تخوين الاعتراف» في زنازين الاحتلال. فالأسير الفلسطيني الرافض للتعاون في سياق التحقيق يشكل إحدى أعلى درجات تجذير الرفض الاجتماعي للمستعمر ورفض تطبيع البنية الاستعمارية. وفي سياق متصل، ثابرت المقاومة، ضمن حدود قدراتها العملياتية، على اختطاف جنود صهاينة لتقايض بهم أسرى، وشكلت قضية الأسرى شرارة حروب متتابعة من حرب لبنان عام ٢٠٠٦، إلى حروب غزة التي كانت أبرزها العمليات العسكرية التي صاحبت اختطاف جلعاد شاليط في العام ٢٠٠٦.

رغم كل ما سبق، فقد اتخذت الزنزانة منذ تأسيس السلطة الفلسطينية مستويين متناغمين لا يبعد المستوى الأول عن نظيره الآخر إلا عدة كيلومترات، كما هي الحال في سجن بيتونيا «الفلسطيني» وعوفر «الصهيوني». يمكن للمحقق أن يكون أسيرًا سابقًا، ويمكن للإضراب عن الطعام أن يحصل هنا وهناك، ضمن سياسة «الباب الدوار» هذه التي تلعب فيها السلطة السياسية المنبثقة عن اتفاقيات أوسلو دورًا يتناغم مع أجهزة الأمن الصهيونية في سياق «تنسيق أمني» يتخذ طابعًا «مقدسًا» عند النخبة الحاكمة.

اليوم، تعتقل السلطة عشرات الشباب في سجونها في حرب تشنها منذ عام ٢٠٠٧، من أجل ضمان بقائها ومنع قيام بدائل سياسية وتنظيمية لها في مناطق نفوذها. في نيسان من العام الحالي، اعتقلت السلطة ستة شبان فلسطينين، وعذّبتهم، على خلفية التخطيط لعملية فدائية، وهم باسل الأعرج، وعلي دار الشيخ، ومحمد السلامين، وهيثم سياج، وسيف الإدريسي، ومحمد حرب. وما زال الستة معتقلين دون توجيه أي تهم لهم. وبعد سلسلة من محاولات المحامين تقديم طلبات إخلاء سبيل المعتقلين الستة، قابلتها محكمة الاستئناف بالرفض، وكان آخرها في منتصف آب الماضي، وعلى إثر مماطلة النيابة في توجيه تهم أو إخلاء سبيلهم، أعلن الستة في ٢٨ آب إضرابهم عن الطعام، لتتخذ إدارة السجن بعدها إجراءات عقابية ضدهم، من بينها منع زيارات أهاليهم لهم، ووضعهم ضمن زنازين فردية.

اضطرابات النظام السياسي الفلسطيني

شكلت المقولة التي تفوه بها الرئيس الحالي للسلطة الفلسطينية، محمود عباس، أمام جمهور «إسرائيلي» حل ضيفًا على مؤسسة الرئاسة في رام الله من أن التنسيق الأمني «مقدس» صدمة نفسية ومعنوية للمجتمع الفلسطيني. تصاعدت حينها أصوات متعددة منددة بالتوصيف، وإن لم تتطرق في طيات تحليلها إلى أن تلك القداسة تنبع من حاجة النخب الحاكمة، بشقيها السياسي الأمني والاقتصادي، للتنسيق الأمني كأحد الدعائم الأساسية في قدرتها على تحصيل شهادة «حسن سلوك» تمكنها من البقاء على قمة الهرم السياسي الفلسطيني، وما يوفره ذلك من امتيازات اقتصادية واجتماعية. ولا يمكن فصل «قداسة التنسيق» عن التحوّل التاريخي الذي عصف بالحركة الوطنية الفلسطينية في سياق انسلاخها عن دورها الطبيعي في تدعيم قدرة المجتمع الفلسطيني على خوض عملية تحرر فعّالة أو في تجذير الرفض للبنية الاستعمارية في المجتمع الفلسطيني.

عملية الانسلاخ تلك كانت تدريجية، ولم تصل أوجها إلّا في بين عامي ٢٠٠٦ و٢٠٠٧ حين اكتمل صعود التيار المتمثل في الرئيس الحالي وزمرة من رجالات الأمن والاقتصاد إلى سدّة الحكم وما صاحب ذلك الصعود من انقسام سياسي إداري. ففي الحقبة التي سبقتها، دار صراع في أروقة المنظمة تمثّل في توجهات البعض نحو تحويل السلطة والأجهزة المنبثقة عنها إلى أدوات مواجهة مع المستعمر. هذا التوجه كان على أسس تتعلق بمسيرة المفاوضات وقدرة المواجهة المباشرة على خلق نفوذ سياسي قد يعزز من مكانة المفاوض الفلسطيني. في مواجهة هذا التيار، كان هناك تيّار آخر رأى المواجهة في سياق الانتفاضة الثانية أو ما سبقها، كهبة النفق في العام ١٩٩٦ خطرًا وجوديًا عليه وعلى الامتيازات الاقتصادية والسياسية التي تمكن من تحصيلها في سياق المشروع الكياني المنبثق عن اتفاقيات أوسلو.

في حال انتصر الشباب وتم الرضوخ لمطالبهم، فإن إطلاق سراحهم سيعني خروجهم من زنزانة «فلسطينية» إلى أخرى صهيونية.

وبالرغم من أن الاعتقال السياسي والتناحر الفصائلي قديم قدم الثورة الفلسطينية الحديثة (طرابلس ١٩٨٣، اعتقال نشطاء حركة حماس قبل الانتفاضة الثانية، ومقتل أكثر من عشرين فلسطيني في أقبية سجون السلطة خلال الأعوام الثلاثة الأولى بعد أوسلو)، فإن الطابع الذي اتخذه الاعتقال السياسي في العام ٢٠٠٧ من انقسام سياسي وإداري ما بين مناطق الحكم الذاتي في الضفة وغزة ومن تماهٍ شبه كامل مع الاشتراطات السياسية والأمنية للدول المانحة من جهة ومع البنية الاستعمارية من جهة أخرى، أدّى إلى عملية تحول جذرية طالت دور الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية كأهم العناصر الناظمة والمشكلة للنظام السياسي الفلسطيني الحالي.

لا يمكن هنا الفصل ما بين المسار السياسي في سياق اتفاقيات أوسلو والتاريخ الطويل للمحاولات الإسرائيلية المستمرة من أجل تثبيت أنظمة «أصلانية» تعمل عمل إسرائيل عنها (التي خرجت من رحم الاستشراق الصهيوني ومؤسساته الأكاديمية وتمخضت عن محاولات دؤوبة لتشكيل وتدعيم قوى تقليدية فلسطينية) في مشاريع على شاكلة روابط القرى في أواخر سبعينيات القرن الماضي. هدفت تلك المحاولات إلى تخفيف الاحتكاك المباشر ما بين قوى الأمن والجيش الصهيونيين والمجتمع الفلسطيني، مع الحفاظ على الهيمنة والسيطرة على الأرض. من هنا، فإن اتفاقيات «أوسلو» شكّلت أساسًا لحل التناقض الظاهر المتمثل في استكمال المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية والتخلص من العبء الذي يشكّله الحكم المباشر.

إن النظام الفلسطيني الحالي يعاني من اضطرابات أقرب ما تكون إلى حالة الانفصام في الشخصية، وهذا نتاج طبيعي للتناقض في الأعمدة المختلفة التي تستمد من خلالها تلك السلطة شرعيتها وقوتها السياسية. في المقام الأول يأتي توظيف التاريخ الثوري للحركة المهيمنة على النظام السياسي الحالي، أي حركة فتح، من أجل إقناع المجتمع الفلسطيني بـ«وطنية» النخبة الحاكمة وتاريخها النضالي. أما في المقام الثاني فتأتي الاتكالية والاعتمادية على الممول السياسي لمشروع الكيانية الفلسطينية والتي يتم توظيفها في الإبقاء على نظام زبائني ريعي اقتصادي يربط المجتمع الفلسطيني وقوته اليومي بالسلطة السياسية والنخبة الحاكمة. فمن غير المستغرب هنا أن ربع المجتمع الفلسطيني يعمل في القطاع العام الفلسطيني. وفي المقام الثالث، تأتي «أمننة» النظام الفلسطيني من خلال إعادة بناء الأجهزة الأمنية ومركزة عملها لتضاهي في نجاعتها أجهزة أمن مماثلة إقليمية وعالمية، في الوقت الذي تمت فيه إعادة تعريف دورها السياسي من خلال ربطها بمفاهيم تتعلق أساسًا بمشروع بناء «الدولة»، والحفاظ على الأمن في مواجهة «الفلتان الأمني» و«الميليشات الخارجة عن القانون»، دون أن يتضمن مفهوم الأمن في سياق السلطة، أمن الفلسطيني من المستوطنين أو من جيش الاحتلال.

ما بين قداسة الأسير وقداسة التنسيق

إن عملية الانسلاخ هذه من «التحرير» إلى الكيانية السياسية أخرجت قضية الأسرى من «التوافق» في سياق فلسطيني متعدد الخطابات والأيدولوجيات والتنظيمات إلى حالة متضاربة مضطربة. اليوم يقبع العشرات من الفلسطينيين في سجون السلطة على خلفيات سياسية نضالية، منهم الستة الذين أعلنوا الإضراب عن الطعام. في حال انتصر الشباب وتم الرضوخ لمطالبهم، فإن إطلاق سراحهم سيعني خروجهم من زنزانة «فلسطينية» إلى أخرى صهيونية، والمفارقة الأساسية تكمن في أنه في تلك الحالة، ستقوم هيئة شؤون الأسرى والمحررين التابعة لمنظمة التحرير بضمّهم إلى قوائم الأسرى، وبالتالي فرز مستحقات مالية لهم ولعائلاتهم، رغم أن خلفية الاعتقال في السياق الفلسطيني والصهيوني واحدة، كأن حال القانون الفلسطيني يعاقب المناضل من جهة ويكافئه من جهة أخرى. إضافة إلى هذا، فإن السلطة التي أوقعت الشباب في فخ الاعتقال واستعرضته إعلاميًا في صحف أجنبية كجزء من الترويج لذاتها على انها أداة قمع ناجحة قادرة على ضبط الفعل المقاوم ومنعه، ستقوم، هي ذاتها، بالمطالبة بالإفراج عن هؤلاء الأسرى في سياق «مبادرات حسن النية» التي لطالما صاحبت بدايات أي عملية تفاوضية.

وبينما يتخبط النظام الفلسطيني في تعريف المعتقل لديه من خلال توجيه تهم «جنائية»، أو المساس «بالمقامات العليا» أو «تشكيل مليشيات خارجة عن القانون»، وغيرها من تعريفات قانونية وإعلامية خطابية، فإنه عند الخروج من زنزانة السلطة إلى الزنزانة الصهيونية، بعد عملية التسليم التي تتضمن الاعترافات التي انتزعت تحت التعذيب، يصبح الأسير «وطنيًا» يحمل «قداسة» الأسير ويستحق الاحتفاء به، وإن خرج، تستقبله السلطة في عرس وطني على أبواب المقاطعة في رام الله.

أداة قديمة في سجن جديد

لطالما لجأت الحركة الأسيرة في السجون الصهيونية إلى الإضراب عن الطعام لنيل حقوق مرحلية تتعلق بتحسين ظروف الاعتقال، أو لمواجهة سياسات معينة كالاعتقال الإداري. فتوظيف الجسد حقق الكثير للحركة الأسيرة، بدءًا من الفرشات وفتحات التهوية، إلى إدخال الراديو والتلفزيون، وانتهاءً بعقد اتفاقيات على موعد نهائي لإخراج الأسرى المضربين عن الطعام من السجون الاستعمارية. ويرتبط نجاح أي إضراب عن الطعام بثلاثة عوامل: أولًا، الصمود على الإضراب إن كان على صعيد فردي أو جماعي، خصوصًا في مواجهة نظام العقوبات الذي يحرم الأسير من العديد من الحقوق. ثانيًا، وحدة الصف والمطلب ما بين الأسرى المضربين وعدم الوقوع بأفخاخ أجهزة الأمن أو المسرحيات الإعلامية. ثالثًا، الالتحام الشعبي حول الإضراب الذي يتصاعد في وتيرته مع كل يوم يخاطر الأسير فيه بجسده.

لكن المفارقة الأساسية اليوم تكمن في أن الشبان المعتقلين يدخلون إضرابًا عن الطعام في سجون السلطة وهم يعلمون مسبقًا أن الحرية التي يطالبون بنيلها هي حرّية مؤقتة. لربما كانت فلسطين هي المكان الوحيد الذي يعتقل الشخص فيها في سياق التهم ذاتها مرتين ولا تحسب الأولى في عداد سنين الثانية. الأغرب أن اللص في فلسطين غالبًا لن يحاكم مرتين، فقط من يتم القبض عليهم بتهم انتماء سياسي أو خلفيات نضالية هو من يخضع لسياسة «الباب الدوار». والأسوأ أن السلطة اليوم تفرض على الشباب خوض إضراب عن الطعام سينهكهم قبل الذهاب إلى شهرين من التحقيق المرهق نفسيًا وجسديًا عند أجهزة الأمن الصهيونية.

اليوم يدخل الشباب الأسبوع الثاني من إضرابهم في سجن بيتونيا في سياق اجتماعي وسياسي مهيأ لإعلاء شأن قضيتهم. فالنظام السياسي الفلسطيني يخوض امتحانًا انتخابيًا جديدًا في الأشهر القادمة، وهي انتخابات المجالس المحلية، ما يعني أنه أكثر حساسية للمطالب الشعبية. كذلك، خلال الفترة الماضية توالت الاحتجاجات الشعبية والنقابية، من مظاهرات رفضت قضايا تتعلق بقانون الضمان الاجتماعي، إلى فضائح تتعلق بدور أجهزة الأمن بقتل أبو العز حلاوة في نابلس، وعموم الدور السياسي والأمني التي تلعبه السلطة في السياق الفلسطيني. الأهم أنه قضية المختطفين الستة الحالية لا يمكن موضعتها في سياق الانقسام الفلسطيني أو موضعة التهم في سياق الاعتقالات السياسية المتبادلة ما بين غزة والضفة. وأخيرًا، توجيه تهم واضحة للشباب يضع السلطة في ضيق سياسي مفاده أن السطلة تحاكم الشباب على خلفية سياسية نضالية وهو أيضًا أمر غير محبذ سياسيًا. لذلك، فإن فرص نجاح الإضراب تعتمد على عنصرين، تفاعل شعبي فلسطيني عربي مع قضيتهم، وصمود الشباب في امتحان الإضراب عن الطعام.

هذا الإضراب نقطة تحوّل فلسطينية تكرّس التعامل مع المحقق الفلسطيني كما الصهيوني، وتوظف أبجديات الصمود هنا وهناك، ولا ترى في اختلاف الشكل والاسم مبررًا للارتباك، وإن كان شكل الأول أقبح من الأخير.