فنزويلا واقتصادها: على ماذا يحتجّ الناس؟

الخميس 11 تشرين الأول 2018
متظاهر فنزويلي يقف أمام كشك مشتعل في كراكاس خلال مظاهرة في آذار 2014. تصوير خورخيه سيلفا، رويترز.

«بفضل من الله والشعب والقوات المسلحة الفنزويلية»، هكذا فسّر الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو نجاته من محاولة لاغتياله في أغسطس 2018، واصفًا المحاولة التي تضمنت استخدام طائرات بلا طيار تحوي متفجرات، بأنها مؤامرة يمينية نُسجت خيوطها في كولومبيا والولايات المتحدة.

أعادت هذه الحادثة فتح نقاشات متكررة حول الوضع الفنزويلي، تبدأ من شخص مادورو ولا تنتهي بتقييم الأوضاع الاقتصادية التي تعتمدها فنزويلا. وكما في الكثير من السجالات المتعلقة بالشأن الفنزويلي، فقد رافقت كل ذلك موجة من الكليشيهات اليمينية والتبريرات اليسارية الجاهزة.

تكرر وسائل الإعلام الغربية -والأمريكية على وجه الخصوص- والليبرالية العربية، كليشيهات الحرب الباردة من أن «الاشتراكية تساوي الفقر»، محذرةً الناس من التضخم ونقص الغذاء. من جهة أخرى، يلجأ العديد من اليساريين في دفاعهم عن النظام الفنزويلي إلى الغوص في جدالات نظرية لتبرير الفساد أو البيروقراطية. وبين الجهتين تضيع الكثير من الحقائق حول التحولات الفعلية في حياة الفنزويليين في السنوات الأخيرة.

فعلى أرض الواقع، تحسنت الظروف المعيشية لملايين الفنزويليين تحسنًا كبيرًا بعد «الثورة البوليفارية»، أي التحولات الاقتصادية والسياسية التي قادها هوغو تشافيز منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي. لكن ذلك لا يغير وجود مشكلات عميقة مثل الفساد في دوائر السلطة، وعدم إعادة هيكلة الاقتصاد وأدوات الإنتاج وتحديثهما، وهذا ما كان له آثار مدمرة عند انخفاض أسعار النفط عام 2014، وعودة الروح للقوى المعادية للثورة البوليفارية بعد موت تشافيز في العام 2013.

فقد تسبب انخفاض أسعار النفط إلى تقليص ميزانية فنزويلا بشكل كبير، وهو ما كان له عواقب وخيمة بالنسبة للفنزويليين. فالدولة الفنزويلية تعاني من نقص في السيولة، ومنذ عام 2012 إلى عام 2016، انخفض نصيب الفرد من إيرادات تصدير النفط من 2200 دولار إلى 1500 دولار، مما أدى إلى أزمة في تمويل البرامج الاجتماعية التي تعد ركيزة أساسية للحزب الاشتراكي الموحد. لجأت حكومة مادورو إلى تخفيض قيمة العملة لتعزيز إيرادات الدولار، لكن هذا لم يحفز سوى التضخم والاقتطاعات من قيمة الأجور الحقيقية. كما انخفض نصيب الفرد من واردات السلع والخدمات بنسبة 75% ما بين عامي 2012 و 2016، مع مزيد من التراجع في عام 2017.

كليشيهات اليمين

تسمح الحالة الفنزويلية لليمينيين أن يرددوا سردية مفادها أن التدخل الحكومي في الاقتصاد يخلق الفقر بشكل تلقائي، في حين أن النهج النيوليبرالي في تحرير السوق يؤدي إلى إطلاق العنان لإزدهار لا حدود له، وأن «التجارة الحرة» هي الحل الأمثل للفقر العالمي. هذه السردية تدعم دومًا بمقارنة مختلة بين مستويات المعيشة في فنزويلا وفي الولايات المتحدة مثلًا، بوصفها الدولة التي يتم قياس الرأسمالية على أساسها بشكل دائم. لكن هذه السردية تتجاهل أن دولة مثل المكسيك ظلت معدلات الفقر وصناعة المخدرات ترتفع فيها  رغم أنها وقعت منذ زمن بعيد على اتفاقية التجارة الحرة مع أمريكا الشمالية. الشيء نفسه بالنسبة للبلدان الغنية بالنفط مثل نيجيريا، حيث الصادرات النفطية ضخمة، لكن أغلب السكان يعيشون تحت وطأة الفقر.

ينطبق ذلك أيضًا على تاريخ فنزويلا نفسها، التي عاشت تحت سياسات السوق الحر لفترات طويلة قبل تشافيز. فمنذ اكتشاف النفط 1922، سمح خوان فيسنتي غوميز، الذي حكم فنزويلا عسكريًا وبالقوة لثلاثة عقود، لشركات النفط الأمريكية بكتابة قانون النفط الفنزويلي، حارمًا بذلك الفنزويليين من أي عوائد مالية من بيع النفط حتى عام 1943، عندما وافقت شركة النفط الأمريكية «Standard Oil of New Jersey» على قانون جديد يقسم النفط الفنزويلي بين الشركة والدولة مناصفةً.

وعلى الرغم من ارتفاع معدلات النمو بعد ذلك، واقتراب نصيب الفرد الفنزويلي من الناتج القومي الإجمالي عام 1950 من نصيب الفرد في ألمانيا الغربية، إلا أن الديون ظلت تتراكم داخليًا وخارجيًا بشكل هائل بسبب الإنفاق العشوائي خلال سنوات حكم ماركوس بيريز خيمينيز العسكري، والدخول في العديد من المشروعات الفاشلة، حتى تم الإطاحة بخيمينيز عام 1958.

في ثمانينات القرن الماضي، انهارت أسعار النفط العالمية، وتقلص الاقتصاد الفنزويلي -الرأسمالي بالكامل آنذاك- وارتفعت مستويات التضخم، حتى بلغت عام 1989 نسبة 84%. وفي العام ذاته، شهدت العاصمة كاراكاس أعمال شغب، بعد أن خفّض الرئيس كارلوس أندريس بيريز الإنفاق الحكومي وأطلق العنان للسوق الحر. وعلى الرغم من تحسن مؤشرات الاقتصاد الفنزويلي الكلي في هذه الفترة، إلا أن الأجور بقيت منخفضة والبطالة مرتفعة، وسرعان ما عاودت نسبة التضخم للارتفاع لتصل 100% في العام 1996.

وحتى أواخر التسعينات، أدت سياسات السوق الحر وعمليات الخصخصة التي فرضها صندوق النقد الدولي إلى جعل الحياة في فنزويلا غير صالحة للفقراء.

حتى اليوم، ما زال الفنزويليون يتذكرون هذه الأوقات برعب، ويستذكرون أنه في ظل الحكومات اليمينية السابقة على تشافيز، لم تكن القمامة تجمع بشكل منتظم، وكان سكان الأحياء يلجأون للإضراب وحرق الإطارات فقط من أجل حصول على الكهرباء التي كانت تنقطع لأسابيع، أو من أجل رصف الشوارع، أو الحصول على أي فرصة عمل.

عام 1999، انتخب هوغو تشافيز رئيسًا لفنزويلا، وانقلب على سياسات السوق الحر، فأعاد هيكلة شركة النفط المملوكة للحكومة بحيث تذهب الأرباح إلى الدولة، وليس إلى أصحاب رؤوس الأموال. ومن خلال عائدات صادرات فنزويلا النفطية، موّل تشافيز برامج اجتماعية ضخمة.

فبين عامي 1995 و2009، انخفضت معدلات الفقر والبطالة في فنزويلا إلى النصف. كما تضاعفت أعداد الجامعات من 12 جامعة عامة فقط عام 1998 إلى 32 جامعة اليوم. واستُقدم الأطباء الكوبيون إلى لتوفير الرعاية الصحية المجانية في العيادات المجتمعية. ووفرت الحكومة الغاز في المنازل ووسائل التدفئة للأحياء ذات الدخل المنخفض، وقد أطلقت حملات لمحو الأمية.

بعد وفاة تشافيز عام 2013، واصل نيكولاس مادورو برنامج سابقه. وتم بناء أكثر من مليون مبنى سكني حديث بحلول نهاية عام 2015، مما وفر للعديد من الأسر ذات الدخل المحدود في فنزويلا أماكن للعيش.

خطايا تشافيز

لكن كل ما سبق لا يجعل من فنزويلا دولة اشتراكية، فقد توقف تشافيز في منتصف الطريق، تاركًا الجزء الأكبر من الاقتصاد تحت سيطرة الرأسمالية، واعتمد فقط على أسعار النفط العالية واحتياطيات النفط الضخمة لتقليص الفقر، بينما بقيت بنية الاقتصاد في معظمها دون تغيير.

فبين عامي 1999 و2012، استطاع تشافيز أن يتحصل على 383 مليار دولار كعائدات نفطية، بالإضافة إلى الغرامات الكبيرة وحقوق الانتفاع التي تدفعها الشركات متعددة الجنسيات. لكن هذا الدخل لم يُستخدم لتنمية القطاعات الإنتاجية. صحيح أن جزءًا منه استخدم لتحسين المستويات المعيشية لأكثر الجماهير فقرًا، ولكن لم يكن هناك خطة محددة للاستثمار والنمو.

تعسر تشافيز على الناحية الاقتصادية، وفشله في محاربة الفساد في فنزويلا (أو استنكافه عنه)، سمحا لانحراف خطير في حكومة مادورو باتجاهها نحو العسكرة والابتعاد عن الطبقة العاملة. فقد بات العساكر يشترون من أسواق حصرية (داخل القواعد العسكرية)، ويحظون بامتيازات للحصول على قروض لشراء السيارات والشقق، وعلى زيادات في الرواتب. كما احتكروا عقودًا مربحة، مستغلين ضوابط الصرف والإعانات، مثل بيع البنزين الرخيص للبلدان المجاورة، محققين أرباحًا هائلة.

يضاف ذلك إلى فساد نخب حكومة مادورو واستغلالها الأزمة الاقتصادية لمصالحها الشخصية، عبر شراء ديون حكومية من أجل الفوائد المرتفعة للدين، والتي يتم تسديدها على حساب الإنفاق العام للفنزويليين، وإعادة توجيه النقد الأجنبي لدفع الديون الخارجية عن طريق تخفيض واردات الطعام والدواء أو المواد الخام الصناعية الأساسية.

كل ذلك أدخل حكومة مادورو في نفق ضيق تقلصت فيه الخيارات الاقتصادية، مما غذّى حجج المعارضة والنخب اليمينية في النزول إلى الشارع.

تصويت عقابي

مع خسارة الحزب الاشتراكي الموحد، الذي أسسه تشافيز، الأغلبية في البرلمان بانتخابات الجمعية الوطنية في ديسمبر/كانون الأول 2015، توقع الكثيرون الانهيار الوشيك للحكومة ومشروعها. وأوحت الكثير من وسائل الإعلام الغربية والعربية بأن تلك الهزيمة شكلت «انتكاسة» ستطيح بالمشروع البوليفاري. لكن سنوات مرت دون أن يحدث ذلك.

فخسارة الأغلبية البرلمانية أضاءت على أن الناخب الفنزويلي سعى لمعاقبة الحكومة على سوء إدارة الأزمة، لكن أسباب الأزمة ذاتها لم تكن حكومية فحسب. ففيما يتعلق بأزمة نقص الغذاء التي أثرت على الكثير من الفنزويليين، كانت الشركات الخاصة هي من تسيطر على عملية توزيع الأغذية. كما أن العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة على فنزويلا، بالإضافة إلى أزمة النفط، جعلت من الصعب على الحكومة الفنزويلية أن تدفع للشركات الخاصة المستوردة للأغذية بالدولار الأمريكي. لذا، فقد ردت شركات الأغذية بعملية تعطيش للأسواق للضغط على الحكومة للدفع.

لكن حتى في ظل الأزمة الحالية، ما زال مادورو يتمتع بقاعدة شعبية قوية، فيما ما زال 55% من السكان يحتفظون بتأييدهم السابق لتشافيز.

يقول الإذاعي الفنزويلي جلين مارتينيز من كاراكاس إن معظم الأشخاص الذين صوتوا ضد الحزب الاشتراكي الموحد -بما في ذلك هو نفسه- كانوا محبطين من الطريقة التي يتم بها التعامل مع الأزمة الاقتصادية الحالية، لكنهم لا يريدون العودة إلى النموذج الاقتصادي النيوليبرالي لعام 1999، معتبرًا أن الإصلاحات الاقتصادية التي تم وضعها خلال حكم تشافيز لن يتم الانقلاب عليها أبدًا. «نحن لسنا نفس الأشخاص الذين كنا قبل عام 1999»، يقول مارتينيز.

في ضوء هذه العوامل، يبدو أن عزل مادورو وإنهاء مشروع الثورة البوليفارية لا يحظى بشرعية كبيرة في الشارع. لكن ذلك قد لا يعني أن جمهور الثورة سيصبر على الأزمة إلى الأبد.