محرّر القرّاء: عن حاجتنا إلى النقد الذاتي

الخميس 05 كانون الثاني 2017
مقر صحيفتي الغارديان والأوبزيرفر الشقيقتين في لندن. غيتي إيمجز، عن الهافنغتون بوست.

في ١٧ أيلول ٢٠١٦، نشرت صحيفة الأوبزيرفر تقريرًا عنوانه «أكواخ إجازات ناشونال ترست تُحوّل القرى إلى مدن أشباح». انتقد التقرير سياسات جمعية ناشونال ترست المسؤولة عن ترميم البيوت القديمة وتوفيرها للعامة بأسعار معقولة. بعد شهر من نشر التقرير، نشرت نفس الصحيفة مقال رأي ينقد التغطية المنحازة وغير المبررة لتقرير مجلة الأوبزيرفر. دعا الكاتب القُراء إلى النظر معه لعنوان التقرير، وهل هذا العنوان مبرّر أم لا. بالنسبة للكاتب، قلّة الشهادات في المقال واللبس بين أكواخ الإجازات والبيوت الصيفية، واقتباسات الشركة المختصرة أدلة غير كافية لدعم الادعاء في عنوان المقال. ينهي الكاتب مقاله بالقول «كان على كل هذا أن يشير للصحيفة [أي الأوبزيرفر] أن وصف مدن الأشباح غير مدعوم، ولكن عنوان المقال وصوره حولت الاحتمالية إلى حقيقة».   

لم يكن صاحب الرأي هذا من شركة ناشونال ترست التي اتهمها التقرير. ولم يكن أيضا ناقدًا من صحيفة أخرى.  بل كان محرّر قُراء صحيفة الأوبزيرفر ذاتها التي نشرت التقرير الأصلي الناقد للشركة، تمامًا كما نشرت مقال الرأي الناقد للتقرير على موقع الصحيفة والجريدة الورقية. ذكر لنا ستيفان بريتشارد هذه القصة أثناء لقائنا به برفقة محرر قرّاء الجارديان بول شوديوك في مكاتب صحيفة الجارديان في لندن. كان اللقاء جزءًا من رحلة تعليمية نظمتها اليونسكو بالتعاون مع معهد فويو الإعلامي للتعرف على تجارب ونماذج التنظيم الذاتي للإعلام في ثلاث دول: بريطانيا والسويد والدنمارك. ضمّت الرحلة وفدا من الإعلاميين في الأردن الذين كان لهم دور في النقاش الدائر حول تنظيم الإعلام الذاتي في الأردن وتأسيس مجلس الشكاوى في الأردن. عشرة أيام بدأت في 4 كانون الأول، تنقلنا فيها بيت الدول الثلاث للالتقاء بمسؤولي كبرى الصحف، إضافة إلى الالتقاء بنقابات الصحفيين ومجالس شكاوى الإعلام ومديريات الإعلام في وزارات الثقافة وأحيانا اتحاد الناشرين لنتعرف على النماذج المختلفة لتنظيم الإعلام ذاتيًا.

تتشابه آلية تنظيم الإعلام الذاتي في الدول الثلاثة في أن لا تكون الحكومات طرفًا في ضمان حق الجمهور بمحاسبة الإعلام على أخطائه وممارساته غير المهنية أو غير الأخلاقية. ضمن سياقات تاريخية مختلفة، أُسِّس في كل من هذه الدول مجلس شكاوى (أو أكثر كما في بريطانيا) ممول من الناشرين من الجرائد والمواقع الإلكترونية. هذا المجلس هو خط المحاسبة الأول لرد اعتبار الأفراد والشركات، ولمحاسبة الإعلام على انتهاكاته لحرياتهم وحقوقهم قبل أن يتم التوجه للقضاء. أما ما تستند إليه هذه المجالس في أحكامها فهي قواعد ممارسات مهنية طوّرتها باتفاق الوسط الصحفي.

في عام ٢٠١٢، وبعد أن سيطرت قصة البحارة الدنماركيين المخطوفين من القراصنة الصوماليين على الرأي العام لمدة سنتين، رفعت عائلة أحد البحارة شكوى إلى مجلس الإعلام ضد صحيفة دنماركية لانتهاكها خصوصيته وتناولها وضعه النفسي والسيكولوجي بما فيه تصريحه برغبته بالانتحار أثناء الاختطاف. بعد مرور سنتين من النظر في القضية، أجمع مجلس الشكاوى بأنه على الرغم من أن تغطية قضية اختطافهم كانت من المصلحة العامة إلّا أن الحديث عن أوضاعهم النفسية هو انتهاك لخصوصيتهم ولا يرتبط بمصلحة الدنمارك. كانت هذه القضية من أصعب القضايا التي تعامل معها مجلس الشكاوى الدنماركي، تقول لنا ساني أولسين من ذات المجلس. أجبر حكم مجلس الشكاوى الصحيفة على نشر اعتذار لمدة ثلاثة أيام على صفحتها الأولى، وموقعها الإلكتروني لمدة أسبوع.

لدى هذه المجالس صلاحية قانونية بفرض عقوبات على الصحف الأعضاء تتراوح ما بين نشر اعتذار على صفحتها الأولى أو صفحتها الرئيسية في موقعها الإلكتروني أو تغريمها إن خالفت قواعد الممارسات الصحفية كما في مجلس الشكاوى السويدي. في معظم الحالات، تحل شكاوى المواطنين أو الشركات في مجلس الشكاوى، أما إذا أراد المشتكي تعويضًا ماديًا لأضرار لحقت به، فيلجأ للمحكمة. هنا، تقدم مجالس الشكاوى في الدنمارك وبريطانيا مساعدة مالية للصحف غير القادرة على تغطية تكاليف المحاكمة الباهظة. ولا يمكن أن يسجن الصحفي أو رئيس التحرير بسبب خطأ ارتكبه في ممارساته الصحفية إلا إن شكّل هذا الخطأ جرمًا، كما حصل في الدنمارك مثلًا عندما تعاون أحد رؤساء التحرير مع شركة دفع إلكتروني لتسريب المعلومات الشرائية الخاصة بشخصيات عامة أو مشهورة.

قد تكون التجربة البريطانية في التنظيم الذاتي هي الأحدث بين الدول الثلاث والأكثر جدلًا في الوسط الصحفي البريطاني. فقد هُزت مصداقية هذه التجربة بعد أن أثبتت المحكمة العليا عام ٢٠١١ اختراق الصحيفة الصفراء نيوز إنترناشونال -المملوكة من رجل الأعمال روبرت ميوردوخ-  لهواتف مواطنين بريطانيين وأفراد من العائلة المالكة. إلّا أنه ورغم تكرار الشكاوى فإن مجلس شكاوى الإعلام كان ينهي القضايا دائمًا بتبرئة الصحيفة من ادعاءات اختراق هواتف المواطنين. لذا، وكنتيجة للتحقيق القضائي العام في هذه القضية، حلّ القضاء البريطاني المجلس لتقصيره بالتعامل مع الفضيحة. تبع هذا المجلس المنحلّ مجلسان تنظيميان متنافسان، الأول هو مجلس (IPSO) الذي أسس عام ٢٠١٤ ويضم حوالي ١٥٠٠ صحيفة وموقع، والثاني هو مجلس (IMPRESS) الذي أسس في ٢٠١٥ ويضم ست صحف تحت مظلته. مع هذا، اختارت أكبر الصحف البريطانية، الجارديان والفينانشال تايمز والإندبندنت، التخلي عن كل ميزات العضوية في هذه المجالس المتنافسة وتأسيس آلية ذاتية للتعامل المباشر مع شكاوى القراء عن طريق منصب محرر القراء.

كيف تضمن الجارديان نزاهة قرارات محرّر القراء وعدم تحيزه للصحيفة؟ يروي لنا بول تشادويك الصحفي الأسترالي الذي انضم للجارديان كمحرر قراء، أن هذا المحرّر يعيّن من قبل الشركة المالكة للصحيفة (Scott Trust) بالتوافق مع رئيس التحرير. لكنه يُعطى صلاحية مُطلقة بتحري الشكاوى التي تصله ضد تغطيات وتقارير صحفيي الجارديان. كما أن له صلاحية نشر مقال أسبوعي حول الأخطاء التي ارتكتبها الجارديان دون أن يكون لرئيس التحرير أي قول بالنص أو صلاحية التغيير عليه. وحتى إن أراد مقدم الشكوى الطعن بقرار محرّر القراء فيمكنه اللجوء إلى مجلس خارجي تعيّنه الشركة المالكة للتدقيق في تلك القرارات.

لم تكن وظيفة محرر القراء دومًا وليدة لتخبط في التنظيم الذاتي المركزي، كما حصل في بريطانيا. ففي الدنمارك التي تأسس فيها مجلس شكاوى عضويته إلزامية لكل الناشرين منذ ١٩٦٤، قررت صحيفة البوليتيكان، أوسع الصحف انتشارًا في الدنمارك، استحداث وظيفة محرّر القراء عام ٢٠٠١. وبالنسبة لمحرر قراء هذه الصحيفة فإن المعالجة السريعة لردود الفعل واعتراف الصحيفة بأخطائها يقوّي من مهنية الصحفيين وعلاقة الصحيفة بجمهورها.

معظم الشكاوى التي ترد محرري القرّاء، الذين التقينا معهم، تتعلق بأخطاء عن معلومات أو بيانات معينة، ويتم تصحيحها بأسرع وقت ممكن. وينشر محرر القرّاء في كل يوم في قسم خاص على الموقع وعلى الصحيفة الورقية مجموع التصحيحات اليومية، أو ينتقد تغطية أحد صحفيي الصحفية لمادة معينة. الجميل في هذه الأمثلة هو أن استقلالية محرر القراء عن رئيس التحرير في الصحيفة لا يجعله على تضاد معه/ا، فأي تصحيح أو مقال ناقد للممارسات الصحفية في ذات الصحيفة لا يُنشر قبل نقاش موسع مع الصحفيين ورؤساء التحرير نفسهم، وفي معظم الأحيان، يعترف الصحفيين بخطأهم.

وجود مجلس مستقل لاستقبال شكاوى الإعلام من الجمهور، لم يكن بديلًا لحاجة هذه الصحف لآلية للنقد الذاتي قبل أن تنقل الشكاوى إلى المجلس. كلتا البوليتيكان والجارديان طورتا قواعد الممارسات المهنية التي يستند إليها محرّر القراء في حكمه. لا تختلف هذه القواعد عن تلك التي تتبعها مجالس الإعلام، إلا أنها قد تكون أكثر صرامة أو تفصيلا. مثلًا، قررت البوليتكيان قبل عام إدراج قاعدة تضمن تمثيلًا جندريًا وعرقيًا متساويًا في التصريحات والمصادر التي تُذكر في التقارير. أمّا الجارديان فأضافت قائمة بالأسئلة التي على صحفييها أن يسألوها قبل أن يقوموا بأي عملية تخفٍ صحفي.

في وظيفة محرر القراء اعتراف من الصحف بأن ارتكابها  للأخطاء وارد، وأنها كما غيرها من الجهات ذات المسؤولية لا يجب أن تُعفى من المُساءلة، حتى بوجود مجلس شكاوى مستقل عن الدولة. في الأردن، فقدت الكثير من وسائل الإعلام وزنها وثقة الجمهور بها لانتهاكاتها المتكررة لحقوق المواطنين من خرق خصوصية الأفراد الى ابتزاز الشركات إلى نشر معلومات خاطئة ونشر خطاب الكراهية والعنصرية أو تفضيل تغطية أخبار المعلنين كمواد تهم الشأن العام. وبحجة عدم قدرته على تنظيم نفسه، توغّلت الدولة بمحاسبة الإعلام عن طريق قوانين الترخيص والمحاكم النظامية والعسكرية. إلى الآن، لا توجد أدلة على أن هذا التصرّف من قبل الحكومة قد أعاد ثقة الجمهور بالصحافة أو أنه رفع من أخلاقياته المهنية، لكن الأدلة تشير على استخدام الدولة لأدوات التنظيم لتجريم وحبس الصحفيين المعارضين لسياساتها وللسيطرة على مهنة الصحافة من خلال قوننة تعريف الصحفي.

في ظل تعطل النقاش حول تأسيس مجلس شكاوى الإعلام في الأردن، قد يكون اعتراف المؤسسات الصحفية بأخطائها ووضع آلية شفافة ومستقلة للنقد الذاتي تعتمد على معايير صحفية واضحة لضمان أخلاقيات المهنة، بوّابة لإعادة الثقة والاعتبار للعمل الصحفي.