رفع الغطاء عن المجتمع: طريق لواء ذيبان إلى الفقر والبطالة

رسم رواند عيسى.

رفع الغطاء عن المجتمع: طريق لواء ذيبان إلى الفقر والبطالة

الأحد 10 آذار 2019

«هذول إنت دليتهم بالبير، وقطعت الحبل بيهم. إنت اللي دمرت نمط الإنتاج تبعهم، وفرضت عليهم نمط إنتاج آخر، خدمي، بعدين قلت بطلت، روحوا دبروا حالكم، هو ع كيفك يعني؟!». هكذا يصف الكاتب والناشط السياسي سعود قبيلات، ابن قضاء مليح في لواء ذيبان، التحولات التي مر بها اقتصاد لواء ذيبان خلال العقود الخمسة الماضية، وما صاحبها من اختلالات تركت وقعها على حياة وواقع أهالي هذا اللواء الزراعي.

قد يكون لواء ذيبان نموذجًا يجدر التوقف عنده ودراسة ما شهده من تغيرات، لا من أجل التعرف على واقع سكانه فحسب، بل أيضًا من أجل فهم مدى تأثير القرارات والسياسات الاقتصادية التي فرضتها الدولة على معيشة الناس وقدراتهم الإنتاجية في فترات مختلفة، وكيف عمل عدد من هذه السياسات على تقويض القدرات الإنتاجية في عدد من القطاعات والدفع بأفرادها إلى التهميش والبطالة، وهو ما قد يفيد في فهم تحولات شبيهة في مناطق أخرى من الأردن كذلك.  

من خلال المقابلات وبعض الدراسات، ستستعرض هذه المادة البحثية الجوانب التي أثرت على اقتصاد الزراعة وتربية المواشي في لواء ذيبان منذ تحوله إلى اقتصاد مختلط، بعد ازدياد حاجة الدولة لكوادر بشرية في مطلع السبعينيات، وتحديدًا مؤسسة الجيش. ثم ستنتقل لاستعراض كيف تراجعت الجدوى من الزراعة وتربية المواشي على وقع بعض السياسات التي ساهمت بفقدان العائلات الزراعية للأيدي العاملة وزيادة تكاليفها ونقصان حصتها من المياه. كما تسلط المادة الضوء على قصص العديد من العائلات الزراعية، التي حاول بعضها التنقل بين أشكال مختلفة من الزراعة أو بين الزراعة وتربية المواشي، رافضةً لآخر لحظة التخلي عن القطاع، بينما لم تجد عائلات أخرى أمامها سوى بيع الأرض لتعليم الأبناء كطريق لأمان اقتصادي ظنوه متاحًا بعد أن ضاقت الطرق الأخرى.

 
 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

من الحقل إلى الثكنة

حتى سبعينيات القرن الماضي، كان اقتصاد لواء ذيبان يقوم بشكل رئيسي على الزراعة والرعي. فكان الاعتماد الأكبر لأهالي المنطقة على تربية المواشي وزراعة الحبوب من قمح وشعير، حيث غطى هذان المحصولان، على مدى عقود، مجمل المساحات الزراعية في اللواء، إضافة إلى الزراعات المروية على ضفاف وادي الوالة امتدادًا مع وادي الهيدان.

تشكل قبيلة بني حميدة الغالبية العظمى من سكان لواء ذيبان. سكن «الحمايدة» اللواء منذ ما قبل تأسيس إمارة شرق الأردن، بعد أن كانوا قد استقروا في نهاية القرن التاسع عشر في المنطقة الواقعة ما بين زرقاء ماعين شمال وادي الموجب، ووادي ابن حماد جنوبًا، والبحر الميت غربًا، وجبل شيحان، وخربة أم الرصاص، ومنتهى وادي الثمد شرقًا. وفي مطلع القرن العشرين، استقرت عشائر من بني حميدة في قرى تابعة اليوم للواء ذيبان، وفرزت الدولة أراضيهم وسجلتها في أربعينيات القرن الماضي. وبعد نكبة فلسطين، نزحت عائلات الأقطش والجبلية من بلدة الدوايمة في مدينة الخليل بالضفة الغربية وسكنوا مليح، إحدى قرى ذيبان، كما انتشر عدد من أبناء بئر السبع في العديد من مناطق اللواء.[1]

سلامة (71 عامًا) وسليم القبيلات (68 عامًا) شقيقان من عائلة فلاحية تنقلت بين ذيبان ومليح، كان والدهمامزارعًا  ومربي مواشٍ من بقر وماعز، التحقا بالجيش في سبعينيات القرن الماضي. في ذلك الوقت، بدأ عدد من أبناء ذيبان بالالتحاق بالقوات المسلحة، بعد أن زادت حاجة المؤسسة العسكرية للتجنيد. «بالسبعينات كان يودّوا سيارات تلمّ مجندين من المدارس»، يقول سلامة، الذي بقي هو وسليم يساعدان والدهما في زراعة الأرض في الإجازة بعد التحاقهما بالجيش. في العقد نفسه، تحديدًا عام 1976، أعادت الحكومة فرض التجنيد الإجباري، ومدتهعامان ، بعدما كانت قد أقرته أول مرة عام 1966، قبل أن تلغيه عام 1970.[2]

مع فرض التجنيد الإجباري، وازدياد حاجة الدولة إلى القوة البشرية في السبعينيات التي شهدت مواسم جفاف، زاد التحاق أبناء ذيبان بالخدمة العسكرية والوظيفة العامة، وهو ما يشير إلى أن الحمايدة وغيرهم من فلاحي الأردن تأخروا في الانخراط بمؤسسات الدولة، تحديدًا بالجيش، مقارنةً بالبدو. «قبل، حياتنا كلها من الزراعة. ما في موظف. يعني أنا عمري حوالي السبعين عام، لحقت أيام ما كانت عشيرة القبيلات كاملة فيش فيها إلا واحد ياخذ راتب. كان يوخذ ع زمان الدولة العثمانية، كاين حارس ولا أبصر شو مشتغل معهم»، يقول سلامة.

يذكر الأربعيني محمد السنيد، وهو مهندس زراعي وناشط عمالي، كيف انتقل والده من الزراعة إلى الوظيفة كعامل مياومة في محطة الوالة الزراعية في الثمانينيات. «قبل الثمانينات، ما كان أبوي موظف، كان مزارع وعنده أبقار وأغنام، وكان عنا أراضي نزرعها قمح وشعير»، يقول السنيد. «شغلة الوظايف هاي جديدة عنا بالمنطقة بذيبان».

سلامة القبيلات، سليم القبيلات، ومحمد السنيد، من اليمين إلى اليسار.

عام 1980، أي بعد أربع سنوات من فرض التجنيد الإجباري، منحت الدولة مقاعد مجانية في الجامعات لأبناء الضباط والعاملين ممن خدموا في القوات المسلحة أكثر من عشر سنوات.[3] خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات، سحبت الوظيفة بشكل رئيسي، والتعليم بشكل أقل، العديد من الأيدي العاملة في أسر فلاحية كانت الأرض مصدر رزقها ووسيلة إنتاجها الوحيدة.

صاحب استنزاف الأيدي العاملة الزراعية لصالح الوظائف العامة عوامل أخرى عديدة أدت بالمحصلة إلى تراجع زراعة القمح -في الأردن عمومًا- وغيره من الزراعات الحقلية التي كان اقتصاد ذيبان يعتمد عليها لعقود عديدة. فتفتت الملكية، وسياسات الاستيراد، والزحف العمراني، التي لم تتدخل بشأنها الدولة بشكل جوهري، أدت جميعها إلى ترك «المزارع أمام خياراته الفردية: إما بيع أرضه أو تعميرها أو استبدالها بزراعات أخرى»، كما تكتب دانة جبريل.

بقي جيل سلامة وسليم القبيلات، وهو الجيل الأول من الملتحقين بالجيش والوظائف العامة في البلدة، منخرطين ولو بشكل جزئي في الزراعة. فخلال السبعينيات والثمانينيات، بدأ اقتصاد ذيبان يتحول من اقتصاد أحادي قائم على الزراعة والرعي بالمطلق إلى اقتصاد مختلط ما بين الزراعة والوظيفة. وأمّن هذا الشكل المختلط دخلًا جيدًا يغطي حاجات الناس، تحديدًا مع استمرار حضور شكل من أشكال الرعاية الاجتماعية للدولة. لكن في بداية التسعينيات، تراجعت الجدوى الاقتصادية للزراعة وزادت تكاليفها، بعد أن فقدت العائلات الأيدي العاملة التي كانت تؤمنها من داخلها.

يقارن سلامة بين أيام والده، حين كانت الأسرة كوحدة اقتصادية تدير دورة الزراعة كاملةً، وبين أيامه بعد أن ضُربت هذه الدورة وفقدت الوحدة العديد من الأيدي العاملة فيها. «كان أبوي عنده بقر وغنم. كنا نساوي تبن، وكنا نساوي علف شعير، وما ندفع ولا تعريفة. الآن ما فيك، بدك تدفع [علف] فطور وغدا وعشا ومشترى»، يقول سلامة.

مع تراجع الجدوى المادية للزراعة في تلك الفترة، شهدت التسعينيات تحولات فارقة في استخدام الأراضي الزراعية، سواء بالتحول من الزراعات الحقلية -كالقمح والشعير- إلى الشجرية -التي كان أغلبها من الزيتون- أو بيع الأرض نفسها. فاعتماد الكثيرين على اقتصاد مختلط بين الوظيفة والزراعة دفعهم للإقبال على زراعة الزيتون التي لا تحتاج إلى تفرغ كامل. فالزيتون كانت تسمى شجرة المزارع «الكسول»، حسبما ينقل الباحث نزار أبو جابر، كونها تطرح ثمارًا خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا، وسهلة الزراعة ولا تحتاج للكثير من الري مقارنةً باللوزيات أو الخضروات.[4] 

في ضوء ذلك، باعت عائلة القبيلات أرضها في مليح في نهاية التسعينيات وأبقت على الأخرى في ذيبان. توجه سليم لزراعة الزيتون، وبقي سلامة يزرع القمح والشعير، قبل أن ينقطع لأربع سنوات حين سافر للعمل في الولايات المتحدة، كبديل عن بيع أرض ذيبان التي رفضت زوجته بيعها لتعليم أربعة أبناء دخلوا الجامعات في أوائل الألفيات. وإذا كان سالم القبيلات، والد سلامة وسليم، قد اعتمد بشكل كامل على الزراعة، بينما اعتمد ابناه على اقتصاد مختلط بين الزراعة والوظيفة، فإن أبناءهما الستة عشر لم يمتهنوا الزراعة، بل اتجهوا جميعهم للتعليم الجامعي ثم الوظيفة العامة. 

يشكو الشقيقان من ارتفاع كلفة الزراعة اليوم، من أيدي عاملة ومعدات ولوازم زراعية، حيث تلتهم هذه التكاليف جزءًا كبيرًا من إيرادات الأرض، وتهدد إمكانية استمرار ما تبقى من الاعتماد على الزراعة. «الأيدي العاملة غالية واحنا ما نشتغل بإيدينا. ولادنا يا عمي كلهم متعلمين زيكو، وما وِدهم يروحوا وما في ناس تشتغل»، يقول سليم، فيما يفصل سلامة توزيع الأيدي العاملة التي يحتاجها شقيقه. «يعني هاظ الزلمة عنده 20 دونم، فيهم 450 زيتونة. بالحفر والتجوير غير يجيب ناس. الحراثة غير يجيب ماكنة [تراكتور]. [عند] السقاي غير يجب واحد. [عند] التزبيل غير يجب واحد. التقليم والتلقيط غير بدك واحد، هذا غير العصر والمعصرة».

ما ينطبق على سليم ينطبق على أخيه الذي يرزع القمح والشعير، إذ يذهب جزء كبير من إيراد أرض سلامة على تكاليف خاصة بالبذار والحراثة، إضافة للأيدي العاملة. فالأرض تحتاج الحراثة مرتين في السنة، ويستخدم في كل منهما أنواع مختلفة من التراكتورات، لكن الكلفة العالية ألجأت العديد المزارعين لاستخدام النوع الأرخص في المرتين، رغم إنه لا يعمل بالكفاءة نفسها، وقد يقلل من إنتاجية الأرض. «لازم تحرث على ماكينة محترمة وعلى مهلك مش بالإيجار، أو أنه الدولة تتبنى الحكي هاظ بطريقة محترمة. فالدولة لا هي متبنية، وإحنا ما في عنا إمكانية»، يقول سلامة.

يقول محمد السنيد إن الدولة في السابق كانت تؤجر تراكتوراتها للمزارعين بأسعار تفضيلية، لكنها أوقفت هذا قبل بضعة سنين. عاكف الزعبي، وزير الزراعة السابق، يقول إن مديريات الزراعة لم تكن تملك سوى عدد قليل جدًا من الآليات، لا تكفي حاجات المزارعين، وكان المزارع ينتظر شهورًا طويلة حتى يصله الدور، ولهذا تم إيقاف تأجيرها للمزارعين.

إضافة إلى تكاليف الأيدي العاملة والمعدات، يلجأ سليم إلى تعويض نقص هطول الأمطار من خلال شراء تنكات المياه لري أشجار الزيتون، إذ تكلف كل سقاية لأرضه، التي تبعد كيلومترات قليلة عن سد الوالة، 150 دينار.

بسبب الإقبال على زراعة الزيتون في المملكة دون تدخل الدولة لتوجيه زراعته وتنظيمها بما يتناسب مع معدلات هطول المياه المختلفة من منطقة لأخرى، فقد احتلت المياه حصة كبيرة من تكاليف زراعته في بعض المناطق. إذ أن أكثر المناطق ملائمة للزيتون هي المناطق الصخرية الجبلية ذات الهطول المطري الذي يزيد عن 400 ملم سنويًا. إلا أن 23% من الزيتون في الأردن مزروع في مناطق يتراوح الهطول فيها بين 300-400 ملم سنويًا، من ضمنها لواء ذيبان، بالتالي يحتاج المزارعون فيها إلى ري تكميلي بسبب سمك التربة والانخفاض النسبي في كميات الأمطار.[5]

يعتقد سلامة أن الدولة تأخرت كثيرًا في بناء سد الوالة، الذي دشن عام 2002، إضافة إلى أن الفائدة المرجوة منه قليلة بسبب صغر سعته، إذ تبلغ طاقته الاستيعابية حوالي 10 مليون م3، وتعمل وزارة المياه والري على توسعتها إلى 26 مليون م3.

تراجع الزراعات الحقلية بدأ في مرحلة السبعينيات واستمر بعدها، إذ تظهر أرقام دائرة الإحصاءات العامة أنها تراجعت في لواء ذيبان بين عامي 2017 و1997 بنسبة 67%، كما تراجعت الزراعات البعلية ككل في الفترة نفسها بنسبة 53%.[6] «الزراعة في لواء ذيبان غير مجدية نهائيًا ما لم تعمل في إيدك: تبذر بيدك، وتحصد بيدك، وبتدرس بيدك، وتذري بيدك، وتخزن بيدك. غير هيك غير مجدية على الإطلاق»، يقول سلامة.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

«جمب البير وتموت من العطش؟!»

على ضفاف واديي الوالة والهيدان، المتصلين كوادٍ واحد، نما منذ عقود اقتصاد يقوم بشكل رئيسي على زراعة الخضروات والفواكه، ويعتمد عليه جزء من سكان لواء ذيبان. يمتد الوادي الذي يقع شمال ذيبان 15 كم، وتلتقي مياهه بمياه الموجب في نقطة «الملاقي»، قبل أن تصبا في البحر الميت.

في السبعينيات، توقف والد عليان[7] عن زراعة القمح والشعير التي ورثها عن أبيه، وتوجه لزراعة الخضروات في وادي الوالة. تجند عليان في الجيش في بداية الثمانينيات، وبقي يعمل مع والده في الزراعة طيلة فترة تجنيده، قبل أن يهجر الأرض بسبب شح المياه في بداية التسعينيات، ليعود مجددًا لزراعة الخضروات عام 2003 بعد أن تقاعد من الجيش بعامين. ففي بداية التسعينيات، تعرض الوادي لجفاف أثر بشدة على العديد من مزارعي الوالة والهيدان. ويعزو جميع من التقينا بهم من مزارعي الوادي هذا الجفاف إلى بناء سلطة المياه مجموعة من الآبار في مجرى الوادي، تُضخ المياه بواسطتها إلى مادبا وعمان لغايات الشرب.

«المي صارت خفيفة عنا، يعني وادي الوالة تعطل 10 سنوات، ولا نقطة مية من التسعين للألفين. ما كان بيه بالمرة. نشفت العيون لأنهم سحبوا مية الهيدان على عمان»، يقول عليان.

أبو محمد كان مزارع خضروات في الهيدان منذ السبعينيات، قبل يترك الوادي في التسعينيات على أثر شح المياه، ويتوجه للزراعة في منطقة الزارة في الغور. «بس سحبوا المي من هان وضعفت المي، كثير ناس ترك من هان وراح، لأنه الواد نشف»، يقول أبو محمد الذي يتردد على الهيدان لزيارة صديقه السبعيني أبو إبراهيم. اختار أبناءأبي  إبراهيم الأربعة الزراعة بدلًا من الوظيفة، بعدما تجندوا جميعهم لفترات قصيرة في الجيش، قبل أن يتركوه ليعملوا مع والدهم في الزراعة. «لو بدي أروح أداوم أسبوع وأروّح يومين، كيف بدي أوقف المزرعة؟! يعني أيام اللقاط، أنا بدي أكون هان يومي، والعسكرية يقولك تعال أقعد عندي غاد أسبوع (..) أنا ما أقدر أترك أبوي عمره سبعين سنة بالمزارع، ويروح يجيب عامل بده 500 ليرة. راتبي ما يكفى العامل»، يقول أحمد، أحد أبناء أبي  إبراهيم.

يشكو أبو إبراهيم شح المياه الذي دفعه كما يقول إلى أن يهجر أرضه التي كان يزرعها بالزيتون والخضروات لسنوات عديدة، قبل أن يعود مجددًا منذ خمس سنوات لزراعة الجوافة التي تتطلب كميات أقل من المياه مقارنة بالخضروات، ويروي العديد من القصص لمزارعين خسروا آلاف الدنانير جراء الحاجة للمياه. «إنت لما انك شايف واحد غافص هناك، يا زلمة اسقيه، اسقي المزارعين، هذا فضل الله هاي المي (…) هو عمان شعب للأردن والمزارع ما هو من الشعب؟ مهو يودي الخضروات إلكو ع الحسبة».

لا يعتقد ممدوح، وهو مزارع هجر أرضه منذ أربع سنوات، أن شح الأمطار والتغير المناخي السبب في شح مياه الوادي. «والله ما إله علاقة بشح الأمطار، أنا ابن المنطقة وأعرف، هذا إله علاقة بالآبار (…) إنت جمب البير، وتموت من العطش؟!»، يقول ممدوح، الذي يملك أرضًا ورثها عن أبيه وكان يزرعها بالبندورة والباذنجان والفول، وكانت سلطة المياه قد استملكت قطعًا منها لبناء مجموعة من الآبار.

يوجد في الوالة والهيدان 15 بئرًا ارتوازية تغذي محافظة مادبا وبعض مناطق في عمان. ويعتقد المزارعون أن بناء هذه الآبار على منابع المياه خفّض نسبة جريانها في الوادي. وتضخ هذه الآبار ما بين 1400 و2000 م3 في الساعة. ويستفيد المزارعون من بئرين إضافيين يسيل مشغلو الآبار في شركة «مياهنا» المياه منهما في فصل الصيف في الوادي، ليسحبها المزارعون من الوادي إلى أراضيهم. ويشكو المزارعون من قلة هذه المياه وعدم استفادة المزارعين البعيدين عن هذين البئرين منهما.

تعزو الاستراتيجية الوطنية للمياه 2016-2025 معاناة قطاع المياه وزيادة الطلب عليه إلى النمو السكاني واستضافة العديد من اللاجئين،[8] أي إلى أسباب خارجية، بعيدًا عن دور الدولة وسياساتها. في المقابل، يحمل الباحث أبو جابر الدولة المسؤولية عن تمدد المدن، وتحديدًا عمان، بشكل شبه عشوائي لم يراعِ وفرة الموارد المائية المطلوبة، مما أدى إلى ضخ المياه من مناطق قريبة شيئًا فشيئًا، إلى أن وصلنا إلى ضخ مياه الديسي إلى عمان قاطعةً مسافة 320 كم،[9] وهو ما يتسبب في هدر الطاقة والمياه المفقودة على الطريق أيضًا. إذ تستهلك عمليات ضخ المياه حاليًا حوالي 14% من موارد الطاقة في الأردن،[10] وفي عام 2014، بلغت نسبة فاقد المياه 52%، يعزى نصفه إلى أسباب فنية مثل الشبكات المهترئة والكسور والتسرب من خطوط المياه.[11]

ما يزيد من تكلفة النقل هو كون عمان أعلى من معظم المناطق التي تُسحب منها المياه إليها، مما يستهلك طاقةً أعلى ويزيد نسب الفاقد. لكن بعيدًا عن التكلفة، فإن ضح المياه إلى عمان يحرم «المناطق التي تتواجد فيها مصادر المياه منها، مما يقلص القدرة على تنمية هذه المناطق»، ويزيد من تركز التنمية في عمان.[12] 

في عامي 1987 و2007، تم توسيع حدود عمان بشكل قصدي. ففي التوسع الأول، التهمت عمان 14 بلدية و11مجلسًا قرويًا محيطًا بها، تم ضمهم إلى أمانة عمان الكبرى التي تشكلت حينها.[13] وفي السنوات الخمس الأولى من الألفية، توسعت مساحة عمان تدريجيًا لتصل إلى 680 كم2 مقسمة إلى 20 منطقة إدارية و167 حيًا سكنيًا.[14] وفي توسع عام 2007[15]، امتدت لتصل مساحتها إلى 1680كم2 يعيش فيها -آنذاك- أكثر من مليوني شخص فقط، رغم أن مساحة عمان قريبة من مساحة لندن التي سكنها عام 2009 أكثر من 7 مليون، بينما سكن في العام ذاته ثلاثة ملايين ونصف شخص في برلين التي تبلغ مساحتها نصف مدينة عمان.[16] 

أدى هذا التوسع ذو البعد الاقتصادي القائم على مَركزة عمان إلى ازدياد الحاجة للمصادر المائية بشكل يفوق قدرة الموارد القريبة منها. كما ابتلع هذا التوسع الأراضي الزراعية المحيطة بالمدينة، خاصة مع «تسليع الأرض»، وازدياد رغبة أصحاب الأراضي بإدخالها في حدود التنظيم وتصنيفها كأراضي سكنية وتجارية من أجل بيعها بأسعار مرتفعة.[17]

كفاءة استخدام الأراضي وموارد المياه والعدالة في توزيعها مسألة في غاية الأهمية في بلد فقير مائيًا كالأردن. فبحسب الاستراتيجية الوطنية للمياه، يحصل سكان الريف على المياه مرة كل 12 يومًا، بينما يحصل سكان المدن مثل عمان على المياه كل سبعة أيام. ويتم تزويد الفرد في عمان بـ120 لتر يوميًا، بينما يحصل الفرد في العديد من المناطق الأخرى في المملكة على 80 لتر يوميًا، أما المناطق النائية، فيحصل الفرد فيها على 25-50 لتر يوميًا.[18]

من جانب آخر، فقد تلاشى شيئًا فشيئًا منذ السبعينيات التوازن بين الزراعات البعلية والزراعات المروية، بعد أن رفعت الدولة الحماية عن زراعة الحبوب (البعلية) حين سعت لتقليل كلفة سياسة دعم الخبز من خلال التوسع في استيراد القمح الرخيص على حساب المنتج المحلي، الأمر الذي أدى إلى استبدال العديد من المزارعين الزراعة البعلية بالزراعة المروية. وتشكل المزروعات المروية اليوم 90% من إجمالي المنتجات الزراعية وتستهلك 51% من مجمل المياه المتاحة في المملكة.[19]

تظهر أرقام دائرة الإحصاءات العامة أن مساحات الأراضي المزروعة بالمرويات في لواء ذيبان تراجعت بنسبة 50% بين عامي 1997-2017.[20] وتعلو بعض الأصوات المطالبة بتخفيف حصة قطاع الزراعة من المياه لأسباب متعلقة بجدواها الاقتصادي ومدى مساهمتها في الناتج المحلي، التي تصل اليوم حوالي 3%. لكن في الوقت نفسه، ما زال 15% من السكان يعتمدون على الزراعة كمصدر للدخل.[21] لذا، فإن تخفيف حصة الزراعة من المياه سيزيد تكاليفها التي دفعت عليان إلى ترك الزراعة كليًا قبل تسع سنوات والتوجه إلى تربية المواشي.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

«الحلال صار ضياق» و«الغنم كلت بعضها»

حين توجه عام 2011 لتربية المواشي، كان عليان يملك حوالي 150 رأسًا من الغنم يتكفل هو بتربيتها، لكنه لم يستمر أكثر من ثلاث سنوات، حيث باع قطيعه «بخسارة» في وقت كان فيه سعر اللحوم أرخص مما كان عليه حين اشترى القطيع. ويعزو قراره هذا إلى عجزه عن تحمل تكاليف «الحلال»، تحديدًا مع ارتفاع أسعار العلف وقلة المراعي.

الأربعيني محمد ثنيان، وهو مربي مواشٍ آخر، يفكر أيضًا بالتخلي عن قطيعه بسبب ارتفاع تكاليفه. «في ناس كثير باعت. والله لو يتحسن السعر ويصير السعر كويس إلا أقلعهن. تعبتني بس وين بدي أروح؟!». يعمل ثنيان في تربية الحلال منذ أن كان طفلًا يساعد والدته في الرعي، حين تولت هي مسؤولية تربية الحلال بعد أن التحق والده بالجيش عام 1970. وعندما تقاعد والده من الجيش بعد خدمة 18 سنة، كانت العائلة تملك حوالي المئة رأس من الغنم. التحق ثنيان بالدفاع المدني عام 1994 وبقي هو -أثناء الإجازات- ووالده المتقاعد ووالدته يتولون أمور تربية القطيع. كان سعر طن الشعير في ذلك الوقت 60 دينارًا.

عام 2005، حين كان ثنيان ما يزال يخدم في الدفاع المدني، قرر والداه بيع القطيع بعد أن كبرا وتعبا من تربيته. كان سعر طن الشعير قد وصل إلى 90 دينار. «أنا تمسكت بيهم، وكانوا إخواني بدهم يبيعوا، ما ظللهن ناس، كلنا موظفين، ما في حدا يقوم بيهن». شغّل ثنيان راعيًا يتولى مسؤولية القطيع، وتكفل هو براتبه. في ذلك الوقت، كان ثنيان يملك حوالي 200 رأس من الغنم بعد أن استدان مبلغًا من المال لشراء 80 رأس غنم إضافية.  

في الأشهر الأخيرة من عام 2007، قررت حكومة معروف البخيت تقليص الدعم المخصص للأعلاف، مما أدى إلى ارتفاع سعر طن الشعير من 90 دينارًا إلى 256 دينارًا. وعلى إثر احتجاجات مربي المواشي، تراجعت الحكومة جزئيًا عن هذا القرار وخفضت سعر الشعير إلى 150 دينارًا. في تلك الفترة، قلص العديد من مربي المواشي حيازاتهم بسبب رفع أسعار الأعلاف، وأدى هذا البيع إلى زيادة العرض من اللحوم، بالتالي تخفيض أسعارها.[22] 

كان ثنيان واحدًا من هؤلاء الذين اضطروا للبيع بخسارة بعد أن ارتفع سعر الشعير، واستحق ما عليه من ديون. «قبل ما ينزل السعر، كنت مشتري غنم بالدين من واحد [بسعر] 120. بعتهن لما نزلن الأسعار وغلي العلف. بعت النعجة زي هاذي بـ55. (..) والله إني شقيت بيهم، أظافري تقلعن لما وصلتهن للعدد هاذ. تعب وشقى وكنت أحرم عيالي الأكل، وكنت أشتريلهم من راتبي علف، وآخذ أراضي ضمان بقروش، [هذا] غير الراعي اللي كنت أحطله مصاري»، يقول ثنيان الذي باع في ذلك الوقت الجزء الأكبر من قطيعه وأبقى على 30 رأسًا فقط. «الغنم كلت بعضها (..) كل سنة أقش منها شوية، عشان أعلفها، أرد أتعب وأزيدها شوية، وأرد أبيع منها، يعني مثل اللي بدور بدويرة» يقول ثنيان.

محمد ثنيان، وأبو إبراهيم، وابنه أحمد، من اليمين إلى اليسار.

تقاعد ثنيان من الدفاع المدني عام 2015، ويملك اليوم حوالي 100 رأس يربيها هو وزوجته. ويشكو كغيره من ارتفاع كلفة تربية المواشي من أعلاف وأدوية، إضافة إلى قلة المراعي. ويقارن بين فترة التسعينيات حين كان الاعتماد على الأعلاف لا يتجاوز ثلاث أو أربع شهور في السنة، بينما بات اليوم يقدم الأعلاف للماشية طوال العام تقريبًا، سواء بشراء الأعلاف من مديرية الزراعة، أو باستئجار أراضٍ وزراعتها بالشعير للماشية. ويشير محمود العوران، مدير اتحاد المزارعين الأردنيين، إلى أن الاعتماد المفرط على الأعلاف الجافة بدل الأعشاب الرعوية الطبيعية يزيد الكلفة على المربي ويرفع احتمالية إصابة المواشي بالأمراض.

يستورد الأردن معظم حاجاته من الشعير من الخارج. وقد زادت الكميات المستوردة منذ منتصف التسعينيات حتى اليوم من 470 ألف طن تقريبًا إلى ما بين 800 و850 ألف طن.[23] وفي الوقت ذاته، خفضت الدولة قيمة دعمها للشعير شيئًا فشيئًا، لتتراجع في آخر ست سنوات من 72 مليون دينار إلى قرابة خمسة ملايين فقط.[24]

يصل سعر طن الشعير المدعوم إلى 175 دينار، وكانت الحكومة قد خفضته مؤقتًا حتى نهاية شهر آذار إلى 145 دينار، «دعمًا لمربي الثروة الحيوانية»، كما تقول. ويشتري مربو المواشي الشعير المدعوم من وزارة الزراعة حسب حجم الحيازة، إذ يحصل كل رأس على 15 كغم في الشهر. في بعض الأحيان، لا يتوفر لدى ثنيان ما يكفي لشراء كل الكمية المسموحة له شهريًا مرة واحدة، إلا أن وزارة الزراعة تشترط استخدام البطاقة المخصصة لصرف الدعم مرة واحدة في الشهر، سواء استنفذ المربي كامل كميته المسموحة له أم لا. لذا، كثيرًا ما يضطر ثنيان لشراء الشعير والنخالة من السوق السوداء في منتصف الشهر أو آخره.

وفي الوقت نفسه، يشكو ثنيان من أن الكمية المدعومة للرأس الواحد، وهي نصف كغم يوميًا، لا تكفي للإشباع، وأن الرأس الواحد بحاجة لأكثر من كيلو يوميًا. «اسأل أي مربي، لا تسأللي مهندس، اسأل المزارع اللي متغلب، [الراس] تاكل كيلو باليوم في حالة وحدة: أنه يكون عندك مراعي». ويشكو ثنيان وغيره من مربي المواشي قلة المراعي وزيادة ما يسمى بـ«الحِمى» وهي أراضي دولة يمنع صاحب قطعة الأرض الملاصقة فيها الرعي عليها.

يعتمد الباحث أبو جابر على مجموعة من الدراسات التي أجريت في عدد من المحميات الرعوية للإشارة إلى أنه بالإمكان التقدم خطوة تجاه الاستفادة من الأراضي الجافة وتحويلها إلى مراعٍ من خلال زراعة أنواع محددة من النباتات وإدارة مياه الأمطار بشكل فعال. يتفق هذا مع رأي العوران الذي يدعو إلى تشجيع البحث العلمي والعمل على إنتاج نباتات وشجيرات رعوية تنتَج على معدلات هطول متدنية، تزيد المساحات الرعوية وتخفف من الاعتماد المفرط على العلف.[25]

يحفظ ثنيان أسماء أصحاب الحلال والأماكن التي يرعون فيها باستمرار، مما يشكل ضغطًا مستمرًا على المساحات نفسها. يذكرنا أبو جابر بأن اختلال أنماط الحياة «التقليدية» التي نشأت بشكل يتوافق مع الأنظمة البيئية الموجودة، ودخول نمط معيشي آخر لم يراعِ التوازن ما بين متطلبات السكان وحاجات الاستدامة البيئية، زادا الاعتماد المتزايد على العلف وقلة المراعي. حيث أن التحول من الحياة الرعوية، التي كان التنقل سمةً من سماتها الرئيسية، إلى حياة شبه متمدنة مستقرة لا يستقيم وتربية المواشي. ولن يكن هذا التحول عند البدو خيارًا طبيعيا، إذ دفعتهم الدولة فيمراحل زمنية مختلفة نحو الاستقرار، بالقانون والإقصاء من جانب، وباستدخالهم في أجهزة الدولة من جانب آخر،كما يقول جوزيف مسعد.[26] 

يتمسك العديد من مربي المواشي بتفعيل قانون «صندوق دعم الثروة الحيوانية وحمايتها»[27]، الذي أقره مجلس الأمة عام 2009. ويهدف القانون إلى تشجيع المواطنين على تربية المواشي والدواجن وزراعة الأعلاف وتوفيرها بسعر معقول لمربي الثروة الحيوانية. وفي لقائه قبل أشهر قليلة مع رجائي المعشر ولجنة الريف والبادية في مجلس النواب، أكد زعل الكواليت، رئيس جمعية الكرك التعاونية لتربية وتسويق المواشي، أن حل مشكلة مربي المواشي يكمن بتفعيل الصندوق وتمويله قبل أن ينهار القطاع ويلقي بالعديد من مربي المواشي إلى الطرقات أو الاعتماد على رواتب وزارة التنمية الاجتماعية. «الحلال صار ضيّاق، والمربي ع حفة الهاوية، إذا الدولة ما تلتفتلنا، السنة الجاي أو اللي بعدها تيجي ما تلقاني هان»، يقول ثنيان.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

«كل شهادة بقوشان أرض»

في العقد الأول من الألفيات، زاد الإقبال على التعليم الجامعي وتراجع دور الدولة في الرعاية الاجتماعية بشكل لا يُمّكن موظفي القطاع العام ومتقاعديه من التعامل الناجح مع آثار انهيار القطاع، كما يقول ناهض حترفالرواتب كانت جزءًا من حزمة امتيازات اجتماعية تضاءلت شيئًا فشيئًا. تظهر دراسة أعدها عدد من الباحثين كيف تزايد الالتحاق بالجامعات الأردنية في العقد الأول من الألفيات لتصل نسبة الملتحقين إلى 30% ممن تتراوح أعمارهم بين 20-24 عامًا (217 ألفًا تقريبًا) أكثر من ثلثيهم في الجامعات الحكومية. وبلغ عدد الطلبة المنتسبين إلى البرنامج الموازي الذي بدأ العمل به في النصف الثاني من التسعينيات أكثر من 20% من عدد الطلبة النظاميين في الجامعات الحكومية، وتزايد عدد الملتحقين بالجامعات الخاصة من عام 1993 إلى عام 2008 من 7000 إلى 57 ألف طالب.[28]

في الفترة نفسها، تدنى الإنفاق الحكومي على التعليم العالي (المنخفض أصلًا)، كنسبة من إجمالي الناتج المحلي من 1.1% عام 2002 إلى 0.77% عام 2007، وهي نسبة متدنية مقارنة ببلدان عربية أخرى كتونس ومصر واليمن والسعودية. كما تراجعت المعونة الحكومية المقدمة للتعليم العالي في الفترة نفسها بنسبة 11%. تم تعويض هذا التراجع من خلال الإنفاق الأسري على التعليم العالي الذي ارتفع في الفترة نفسها بنسبة 51% من 197 مليون دينار إلى 297 مليون دينار.[29] اليوم، أكثر من 73% من تمويل الجامعات الحكومية مصدره الرسوم الجامعية، بينما تساهم الدولة بأقل من 10% فقط.[30]

توجه العديد من شباب ذيبان إلى الجامعات التي اعتبرت المنفذ الوحيد الآمن بعد أن ضاق طريق الزراعة، ولم يعد الالتحاق بالجيش والأجهزة الأمنية ذا جدوى اقتصادية كما يقول جهاد الكواملة، أحد منظمي في حراك ذيبان عام 2011. درس الكواملة نظم المعلومات المحاسبية في جامعة البلقاء التطبيقية وتخرج منها عام 2010، وعمل طيلة فترة الدراسة في الزراعة في منطقتي الموجب والوالة. منذ أن تخرج، لم يعمل بشكل دائم ومستقر، فتنقل بين العمل في التعليم كمعلم إضافي في لواء ذيبان، والعمل بعقود مشاريع في دائرة الإحصاءات العامة في عمان. يقول الكواملة إنه مع مطلع الألفيات، أصبح التعليم الجامعي ضرورة ومسعى بالنسبة للأهل. «اللي ما يروح على الجامعة مشكلة.  قبل كان العكس: اللي ما عنده حلال مشكلة، اللي ما عنده زرع مشكلة»، يقول الكواملة.

لجأت العديد من الأسر في لواء ذيبان إما إلى بيع الأرض أو الاقتراض لتدريس أبنائها. باع والد علي الخضور الجزء الأكبر من أرضه لتدريس أبنائه الأربعة في الجامعات. درس علي العلوم السياسية في جامعة مؤتة وتخرج عام 2012، وعمل لعدة أشهر محاسبًا في شركة خاصة في عمان براتب بلغ 250 دينار، قبل أن يتوقف عن العمل بسبب تدني الراتب وبعده عن اللواء، مع عدم توفر مواصلات جيدة مما يجعل العمل غير مجدٍ، كما يقول. وعلى إثر ذلك، كانت المشاركة الأولى لعلي في هبة تشرين عام 2012. «مش إني نزلت على الحراك لأني قاعد، لا، أنا نزلت على الحراك لأنه في واقع صعب هان باللواء، وأصعب من أي مكان غيره»، يقول علي. «الوضع سيء، مو بس إلي».

لا توفر دائرة الإحصاءات العامة بيانات حول الفقر والبطالة على مستوى اللواء. لكن محافظة مادبا، التي يتبع لها لواء ذيبان، سجلت أعلى معدل بطالة على مستوى المملكة في عام 2011 بنسبة 18.5%[31] وتزايدت حتى وصلت إلى قرابة 25% عام 2017، وهي أيضًا الأعلى على مستوى محافظات المملكة، بعد محافظة الطفيلة.[32] ووفقًا لآخر تقرير يرصد حالة الفقر في البلاد عام 2010، بلغت نسبة الفقر في مادبا 15%.[33] ومن المتوقع أن تكون نسب الفقر والبطالة على مستوى لواء ذيبان أعلى من نسبها على مستوى المحافظة، نظرًا لتركز فرص العمل في مدينة مادبا، مركز المحافظة.

وُضع العديد من البرامج التنموية من قبل جمعيات ومؤسسات رسمية للوقوف على أسباب الفقر والبطالة في المحافظة، من بينها البرنامجان التنمويان لـ2013-2016 و2017-2019 الصادرين عن وزارة التخطيط والتعاون الدولي، ودراسة الاحتياجات التدريبية والإقراضية لصندوق التنمية والتشغيل. وتقول دراسة صندوق التنمية والتشغيل التي تعتمد على رأي «أهل المنطقة»، إن من أحد أسباب البطالة في ذيبان ومليح وجبل بني حميدة ما سمي انتشار «ثقافة العيب» في العمل في بعض المهن.

يسخر الخضور من مقولة ثقافة العيب ويعتقد أنها غطاء للتمييز وغياب العدالة في الحصول على عمل ذي مردود جيد يؤمن الحاجات الأساسية له ولزوجته الحاصلة على شهادة الماجستير في الزراعة والتي لا تجد عملًا. «إنت فهمني شو يعني ثقافة العيب؟ إذا إنت درّست ابنك وبعت أرضك، ترضى يروح يشتغل عامل نظافة؟! (..) بالعكس ما في واحد عنده أرض إلا يشتغل بيها، يزرع بيها، وهاي الشغلة [ثقافة العيب] مهي عنا، بس في إشي ضمن إطار المنطق»، يقول علي. انتقد ناهض حتر الخطاب الذي يربط البطالة بثقافة العيب باعتباره خطابًا مضللًا لأنه ينحي جانبًا الحديث عن ثقافة العمل التي لا تُنتَج إلا من خلال ظروف لا تتوفر في المحافظات التي تتركز فيها البطالة، وأولها النقل. إضافة إلى أنه عند الحديث عن ثقافة العيب فإننا نتذكّر، كما يقول حتر، «طرفًا واحدًا من المعادلة: الفقراء الذين يأنفون من القيام بأعمال متدنية الموقع اجتماعيًا، وننسى الطرف الآخر من معادلة العيب، وهي احتكار المناصب الأكثر سطوة وجدوى لمصلحة نادي الآباء والأبناء والبنات والأنسباء».

كل ما سبق من تغيرات بطيئة في اقتصاد لواء ذيبان أدى إلى رفع نسب البطالة والفقر وساهم في ازدياد شعور أهالي اللواء بالتهميش، وهو ما تم التعبير عنه بالاحتجاجات الشعبية التي شهدها اللواء ابتداءً من عام 2011، والتي انطلقت في 7 كانون الثاني بمسيرة نظمها محمد السنيد ومجموعة من عمال المياومة وآخرون واستمرت بشكل أسبوعي حتى هبة تشرين 2012. ويعتقد سعود قبيلات أن هذا الشكل من الاحتجاج كان جديدًا على ذيبان، حيث أن العمل السياسي في اللواء قبل الحراك كان عملًا حزبيًا يتبلور من خلال انضمام الأفراد في بعض مناطق اللواء إلى أحزاب مثل البعث والشيوعي (فترة السبعينيات) أو الإخوان المسلمين (الثمانينيات)، ولم يأخذ هذا الشكل من الاحتجاج الشعبي.

شهدت ذيبان عددًا من التحركات التي نظمت باسم «المتعطلين عن العمل»، سواء من خلال حراك 2011 أو من خلال اعتصامات ونصب خيم للمطالبة بفرص عمل. يتحدث الكواملة عن مجموعة من 15 شخصًا انضموا للحراك في منتصف عام 2011، كان مطلبهم الأساسي والوحيد الحصول على العمل. «دخلوا علينا جماعة منهم عمي، قالوا ودنا نتوظف، كانوا موصلين لمرحلة ما ظل فيها مجال وقالوا ودنا شغل»، يقول الكواملةبعد عدة أشهر، تم توظيفهم جميعًا إما سائقين أو حراس أو موظفين فئة ثالثة.

في الفترة بين 2013-2016 نُصبت ثلاث خيم اعتصام في لواء ذيبان للمطالبة بالتوظيف كان آخرها وأكثرها شهرة خيمة 2016 التي نصبت في نيسان واستمرت قرابة 60 يومًا قبل أن تفضها قوات الدرك بالقوة. ضمت الخيمة 22 شخصًا منهم ستة جامعيين. كان صبري المشاعلة ومحمد الهواوشة من قيادات الخيمة ومنظميها. درس المشاعلة الإرشاد والصحة النفسية في الجامعة الأردنية وتخرج منها عام 2012، ودرش الهواوشة القانون في جامعة الشرق الأوسط وتخرج عام 2013. كانت المشاركة الأولى للهواوشة في هبة تشرين 2012، بينما شارك المشاعلة في الحراك وهو طالب في الجامعة، رفضًا للظلم الواقع على أهالي ذيبان، حسبما يروي. «أنا بداية اشتركت بالحراك من وجهة نظر اقتصادية. كنت طالب، الجامعة ومصاريف الجامعة [كثيرة]. كنت أدرس موازي بالجامعة الأردنية. وفي عنا مثل «كل شهادة بقوشان أرض». [الناس] كانوا يبيعوا أراضي حتى يدرسوا الشباب»، يقول المشاعلة.

صبري المشاعلة ومحمد الهواوشة، من اليمين إلى اليسار.

بعد التخرج بعامين عمل المشاعلة «كاشير» في مركز صحي في عمان، بينما بقي الهواوشة بلا عمل منذ تخرجه وحتى مشاركته في الخيمة. في 26 نيسان 2016، نصب المشاعلة والهواوشة و20 شخصًا آخر من المتعطلين عن العمل خيمةً على دوار ذيبان للمطالبة بالتوظيف. «[كانت] بتشبه كل شي إلا الخيمة منظرها. ثاني يوم جبنا صيوان وبنيناه وسميناه خيمة، وحطينا شعارها: ابن الفاسد مستشار.. وابن الشعب ع الدوار».

بعد خمسين يومًا من نصب الخيمة، قرر المتعطلون عن العمل ومجموعة من المتضامنين التظاهر في ساحة السلام في مادبا. في تلك الأثناء، هدمت قوات الدرك الخيمة واعتقلت خمسة أشخاص كان من ضمنهم محمد السنيد، أحد المتضامنين مع المتعطلين. أعاد المشاعلة والهواوشة بناء الخيمة في اليوم نفسه، ثم أبلغ الوجهاء ومجموعة من الوسطاء المتعطلين بأن الإفراج عن المعتقلين ومسألة التوظيف مرتبطان بإزالة الخيمة. فوافق المتعطلون، ليتم الإفراج عن المعتقلين بعد 24 ساعة. التقى المشاعلة والهواوشة واثنان من المتعطلين بمحافظ مادبا، بحضور الوسطاء للحديث عن التوظيف، ولم يتوصلا لاتفاق. «قالنا اشتغلوا بالكولا اشتغلوا بمصنع البلاستيك، رفضنا. لأنه كان الاتفاق وظائف للجامعيين حسب شهاداتهم، والباقي فئة ثالثة. يعني واحد زي صبري قاري خمس سنين بالجامعة أو زيي خمس سنين بالجامعة، ودافع أبصر قديش، ومأجل سنة عشان يشتغل ويقرا، يروح يشتغل بـ190 ليرة آخر إشي؟»، يقول الهواوشة.

أعاد المتعطلون بناء الخيمة من جديد، وبعد يومين تم استدعاء المشاعلة واثنين من المعتصمين لمركز أمن ذيبان، ثم تم تحويلهم لمديرية مادبا، ومن هناك إلى سجن ماركا، كما يقول المشاعلة. كان ذلك في شهر رمضان، ومع آذان المغرب، اقتحم الدرك الخيمة وأطلق الغاز المسيل للدموع، واعتقل أكثر من عشرين شخصًا، ثلاثة منهم من المتعطلين، على إثر اشتباكات مع الدرك، كما يقول الهواوشة. استمرت الاشتباكات لمدة يومين بشكل متقطع في ذيبان والمناطق المحيطة بها، وتم الإفراج عن المشاعلة وجميع المعتقلين. في اليوم التالي، اعتقل الهواوشة واثنان آخران وتم توجيه مجموعة من التهم لهم منها: مقاومة رجال الأمن والشروع بالقتل وإطالة اللسان. تم تكفيل المعتقلين الاثنين بعد أسبوع، فيما بقي الهواوشة موقوفًا 23 يومًا في سجن ماركا قبل أن يطلق سراحه.

بداية عام 2018، شارك المشاعلة، الذي كان يعمل في مدرسة خاصة في عمّان، والهواوشة الذي ما زال حتى اللحظة بلا عمل، في مظاهرات حزيران التي أسقطت حكومة هاني الملقي. وفي تشرين الأول من العام نفسه، اعتقل المشاعلة لمدة 39 يومًا إثر مشاركته في اعتصام «لجنة المتابعة الوطنية» على الدوار الرابع، ووُجهت إليه تهمتا إطالة اللسان والتحريض على تقويض نظام الحكم، قبل أن تسقط التهم عنه في العفو العام قبل أسابيع.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

خاتمة

تمثل «ذيبان» نموذجًا يمكّننا من معاينة التغيرات التي مر بها الاقتصاد الأردني، وآثارها الاجتماعية التيتمظهرت بالرفض والاحتجاج بشكل واضح منذ 2011. مع مطلع السبعينيات، استثمرت الدولة في الموارد البشرية، إما بهدف تنمية الخدمات العامة أو لازدياد الحاجة لكوادر عسكرية وأمنية. أصبح القطاع العام مشغلًا أساسيًا للناس، أمن لهم حزمة من خدمات الرعاية التي، شكلت إضافة للراتب ودخول أخرى من الزراعة وغيرها، سندًا حمائيًا ووفرت معيشة جيدة. مما منح السلطة السياسية لفترة طويلة شكلًا من أشكال السلم الاجتماعي مع شعب مقيّد سياسيًا، لكنه محمي اقتصاديًا.

سحب الكوادر البشرية في ذيبان من الحقل إلى الوظيفة أدى، مع عوامل أخرى، إلى تراجع العائد من الزراعة، فازداد الطلب على الوظيفة العامة لتعويض العائد الزراعي، حيث منحت الوظيفة العديدين استقرارًا أفضل وأكثر ثباتًا من العمل في الأرض، إضافة إلى مكانة اجتماعية متقدمة نسبيًا.

مع مطلع التسعينيات وصعود الموجة الأولى للّبرلة الاقتصادية، بدأت الدولة تنسحب تدريجيًا من حزمة مهمات كان على رأسها التشغيل. في ذلك الوقت، كان الجيل الأول من متقاعدي الجيش والوظائف العامة في ذيبان يدّخرون رواتبهم التقاعدية ومداخيل الزراعة المتراجعة لتعليم الأبناء كبديل آمن ومتاح عن الزراعة، مما أدى إلى انسحاب أبنائهم تقريبًا بشكل كلي من الاقتصاد الزراعي إلى الجامعات.

في بداية الألفيات، ازداد الإقبال على التعليم العالي بشكل متسارع كما وضحنا. تلقى أبناء ذيبان وغيرهم من المحافظات تعليمًا كان مؤسسًا أصلًا لإعداد الطلبة للخدمة في القطاع العام، حيث أن الشهادة كانت تضمن عمليًا وظيفة حكومية مستقرة، لهذا نجد أن أكثر من نصف خريجي الجامعات في العقد الأول من الألفيات كانوا خريجي التخصصات الإنسانية والعلوم الاجتماعية[34] التي كانت سابقًا تؤهلهم للحصول على وظيفة في الإدارة العامة للدولة.

تخرج معظم هؤلاء في وقت كانت الدولة قد قلصت فيه التوظيف في القطاع العام على وقع سياسات الانضباط المالي والتصحيح الهيكلي. ولم يوفر القطاع الخاص المتوسع على أثر الاندماج في الاقتصاد العالمي فرصًا لهم، لصغر السوق ولعدم امتلاكهم مهارات محددة ودقيقة لم يمكنهم تعليمهم الجامعي من اكتسابها. أدى هذا إما إلى توظيف أعداد أقل في القطاع العام برواتب لم تعد تُجاري ازدياد نسب التضخم، أو تحويلهم لعمال على هامش اقتصاد السوق أو إلحاقهم بصفوف المتعطلين عن العمل.

اليوم، تلتقط الزراعة، التي اعتاش منها أجداد هؤلاء وآبائهم، أنفاسها الأخيرة، ولم تعد العودة إليها ممكنة إما بسبب بيع الأرض أو لعدم جدواها، فيما غيرت الدولة، التي أخرجتهم من أراضيهم إلى الخدمة العامة، سياساتها ولم تعد قادرة على تشغيلهم، ما ساهم في تآكل العقد الاجتماعي المتفق عليه ضمنيًا بين السلطة السياسية ومجاميع بشرية مقيدة سياسيًا وغير محمية اقتصاديًا. «خلّوهم يتركوا أرضهم ويتركوا زراعتهم ويبيعوا أغنامهم ويبيعوا بقرهم عشان يشتغلوا بالجيش والوظائف الحكومية، بعدين فجأة ترفع إيديك عنهم وترميهم، لا ظل عندهم أرض ولا زراعة»، يقول سعود قبيلات.

  • الهوامش

    [1] عبدالله العساف، تاريخ مادبا وجوارها، وزارة الثقافة، ص 42-43.

    [2]جوزيف مسعد، «آثار استعمارية: تشكل الهوية الوطنية في الأردن»، ترجمة شكري مجاهد، مدارات للأبحاث والنشر، 2019. ص 379، ص 388، ص 429.

    [3]مسعد، ص 389.

    [4] نزار أبو جابر، الأردن والتحدي البيئي، دار الشروق، عمان، 2011، ص 61.

    [5] نزار أبو جابر، ص 51.

    [6] التعداد الزراعي – دائرة الإحصاءات العامة، أعوام 1997-2007-2017.

    [7] اسم مستعار.

    [8] وزارة المياه، الاستراتيجية الوطنية للمياه 2016-2025، ص 13.

    [9] نزار أبو جابر، ص 187.

    [10] الاستراتيجية الوطنية للمياه، ص7.

    [11] الاستراتيجية الوطنية للمياه، ص 19.

    [12] نزار أبو جابر، ص117-118.

    [13] نزار أبو جابر، ص 85.

    [14] Mais Aljafari, EMERGING PUBLIC SPACES IN THE CITY OF AMMAN, JORDAN: An Analysis of Everyday Life Practices, Dortmund University, 2014, p.g 37.

    [15] في 3 أيار 2006 وجه الملك عبدالله رسالة إلى أمين عمان عمر المعاني من أجل «إعداد مشروع تخطيط جاد وشامل لمدينة عمان»  وكانت الرسالة بمثابة الموجه لمشروع المخطط الشمولي Amman Master Plan لمدينة عمان.

    [16] نزار أبو جابر، ص 87.

    [17] Ian James, Amman’s 1987 and 2008 Master Plans, Center for the Study of the Built Environment, 2017.

    [18] الاستراتيجية الوطنية للمياه، ص 14، ص 31.

    [19] الاستراتيجية الوطنية للمياه، ص 39.

    [20] التعداد الزراعي – دائرة الإحصاءات العامة، أعوام 1997-2007-2017.

    [21] Harrigan, Jane. An Economic Analysis of National Food Sovereignty Policies in the Middle East:  Food Security in the Middle East, by Zahra Babar and Suzi Mirgani, Oxford University Press, 2014 p.g 13.

    [22] نزار أبو جابر، ص 9.

    [23] Harrigan, Jane. An Economic Analysis of National Food Sovereignty Policies in the Middle East:  Food Security in the Middle East, by Zahra Babar and Suzi Mirgani, Oxford University Press, 2014 p.g 13.

    [24] Shamsuddin M. Tareq, Hui Jin, Emmanouil Kitsios, and Pokar Khemani, Jordan Public Expenditure Review and Rationalization: Issues and Reform Options, IMF, 2018, p.g 21.

    [25] نزار أبو جابر، ص 43.

    [26] مسعد، مصدر سابق.

    [27] قانون صندوق دعم الثروة الحيوانية وحمايتها، نشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 1-3-2009.

    [28] طاهر كنعان وآخرون، تمويل التعليم العالي في الأردن: تمويل التعليم العالي في البلاد العربية، منتدى البحوث الاقتصادية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2012، ص113.

    [29] طاهر كنعان وآخرون، ص 116.

    [30] المجلس الاقتصادي والاجتماعي، الأوضاع المالية للجامعات الحكومية في الأردن، ص54.

    [31] مسح العمالة والبطالة، التقرير السنوي 2011، دائرة الإحصاءات العامة، ص9.

    [32] الأردن بالأرقام 2017، دائرة الإحصاءات العامة، ص11.

    [33] البرنامج التنموي لمحافظة مادبا 2017-2019، وزارة التخطيط والتعاون الدولي، 2017، ص 10.

    [34] طاهر كنعان وآخرون، ص 142-143.