المليارديرات هم السبب الرئيس للتغيّر المناخي

الأربعاء 14 تشرين الثاني 2018
تصميم سيباستيان تيبو.

نشر هذا المقال في موقع GQ بتاريخ 12 تشرين الأول 2018.

أصدرت الأمم المتحدة [الشهر] الماضي تقريرًا خطيرًا. يقول التقرير باختصار: لدينا حوالي 12 عامًا لنفعل شيئًا لنمنع أسوأ نتائج التغيّر المناخي. ليست أمامنا هذه المدة لمنع التغير المناخي، فقد تجاوزنا هذه النقطة منذ زمن، ولكن لمنع أسوأ عناصر الكارثة وأشدها مأساويةً من أن يعيث فسادًا بشعوب العالم. لفعل ذلك، على حكومات العالم تنظر بجدية إلى القوى التي تقودنا نحو الكارثة. والتقييم الصادق لذلك سيوصلنا إلى أن اللوم يقع بشكل مباشر على الواحد في المئة.

على عكس ما تشي به المطالبات التي تستثير شعورنا بالذنب بأن ننقذ العالم عبر ركوبنا للحافلات عوضًا عن السيارات، فإن خياراتنا الفردية على الأغلب لا تؤثر كثيرًا على مناخ العالم. فالتأثير الحقيقي يأتي من المستوى الصناعي، إذ أن 70% من الانبعاثات عالميًا تأتي من 100 شركة فقط. لذا، فقدرتك، كمستهلك عشوائي، على الضغط هنا قليلة جدًا. الأشخاص الذين يرفعون حرارة الكوكب بشكل مباشر، ويهددون بإغراق 20% من سكان العالم هم المليارديرات في مجالس إدارة تلك الشركات.

ربما ما من أحد أفسد النقاش العام والسياسي حول التغيّر المناخي [في الولايات المتحدة] أكثر من الأخوين كوك (the Koch brothers)، فسنحتاج إلى وقت ومساحة هائلين لتوثيق كم الأموال التي أنفقاها والمنظمات التي جنّدوها من أجل هذا الهدف. (كتاب الصحفية الاستقصائية جاين ماير «أموال قذرة» يقدم هذا التوثيق)، ولديهم كل الأسباب لفعل هذا: في كتابها تلاحظ ماير أن: «صناعات الأخوين كوك، وحدها، تضخ وبشكل روتيني حوالي ٢٤ مليون طن من ثاني أكسيد الكربون في الجو بشكل سنوي».

خياراتنا الفردية على الأغلب لا تؤثر كثيرًا على مناخ العالم. فالتأثير الحقيقي يأتي من المستوى الصناعي، إذ أن 70% من الانبعاثات عالميًا تأتي من 100 شركة فقط.

لكن حجم مساهمة [المليارديرات] يمتد إلى ما وراء نشر المعارضة السياسية والتشكيك [بالتغير المناخي]. ففي الوقت الذي أنفقت فيه الشركات الكبرى ومدراؤها سنوات من الإصرار على أن التغيّر المناخي إما غير موجود أو مبالغ في خطورته، فإنهم كانوا يعرفون حقيقة الوضع منذ وقت طويل. على سبيل المثال، اعتاد بيتر ثيل، الشريك المؤسس لموقع «پاي پال»، التبرع لـ«معهد سيستيدنغ» الذي يهدف لبناء مدن عائمة بغرض مواجهة ارتفاع مستوى مياه البحار. ويزعم أن شركة «إكسون موبايل» عرفت بالتغير المناخي عام 1977، في الوقت الذي كانت تعرف فيه باسم «إكسون»، أي قبل 11 عامًا من تحول التغير المناخي لموضوع يتم الحديث عنه بشكل واسع. وبدل العمل وفقًا لهذه المعلومات، بدأت الشركة حملة طويلة جدًا من التضليل المعلوماتي. وبحسب مجلة «ساينتفيك أميركان»، فقد ساعدت شركة «إكسون» في تأسيس تحالف التغير المناخي، والذي ساءل الأسس العلمية للاهتمام بموضوع التغير المناخي بدءًا من أواخر الثمانينات وحتى العام 2002، وقد نجح هذا التحالف في منع الولايات المتحدة من التوقيع على بروتوكول كيوتو، وهو الأمر الذي ساعد الهند والصين، البلدين الآخرين المنتجين بشكل كبير للغازات الدفيئة، في تجنب التوقيع على البروتوكول.

وحتّى عندما أظهر صناع قرار [أمريكيون] جمهوريّون بوادر نوايا لفعل شيء بخصوص التغير المناخي، تم إسكاتهم بسرعة. وهناك العديد من الأمثلة، ولكن من بين الأمثلة التي ذكرت في كتاب «أموال قذرة»، تصف ماير حادثًا حصل في نيسان 2010، عندما حاول السيناتور الأمريكي ليندسي جراهام، ولفترة وجيزة، دعم قانون لوضع سقف لانبعاثات الشركات، أطلقت مجموعة سياسية تسمّى «أميركان سوليوشنز» حملة علاقات عامة سلبية تهاجم السيناتور، ليتراجع جراهام بعدها بأيام. كانت «أميركان سوليوشنز»، كما تَبين، مدعومة من مليارديرات يعملون في الوقود الأحفوري وغيرها من الصناعات، ومن بينهم محبّ ترامب، حوت الكازينوهات، شيلدون أديلسون.

في السنوات الأخيرة، حاولت شركات الوقود الأحفوري تصوير نفسها وكأنها في صف الرأي العام [فيما يتعلق بقضية التغيّر المناخي]. هذا الشهر مثلًا، تعهدت شركة «إكسون» بدفع مليون دولار لدعم ضريبة الكربون، باعتبارها حلًّا مؤقتًا، ستدفع بموجبها الشركات ٤٠ دولارًا في مقابل كل طن من الكربون يتم إنتاجه، ويزداد المبلغ بازدياد الإنتاج. للوهلة الأولى، تبدو هذه البادرة كرمًا بالغًا، لكن الحقيقة هي أن «إكسون» قادرة على دفع هذه الضريبة. فصناعة النفط والغاز لا تعيش انتعاشة حقيقية هذه الأيام فحسب، بل تعرف الشركات كذلك أن الحلول الحقيقيّة الوحيدة للتغيّر المناخي ستضرّها أكثر من ضريبة بائسة.

يعود ذلك إلى حد كبير إلى أنه ما من حافز «سوق حرّ» لمنع الكارثة. في بيئة اقتصادية تعدّ فيها الشركة قابلة للحياة فقط بقدرتها على التوسع باستمرار وعلى زيادة إنتاجها، لا يمكن أن يتوقع من الشركات أن تفرمل نفسها لأجل شيء تافه مثل كارثة عالمية متوقعة. في مقابل ذلك، يرى منطق السوق أنه وعوضًا عن تلقي الضربة المالية الناجمة عن خفض الأرباح، من المنطقي أكثر العثور على طريقة ما للاستفادة من غليان المحيطات. لا شيء يوضح هذه الظاهرة أكثر من صناعة التغيّر المناخي المزدهرة. بحسب مجلّة بلومبرج، يبحث المستثمرون عن ربح الأموال من كلّ شيء [مرتبط بالتغير المناخي]، من منتجات الطعام المعاد تصنيعه إلى فنادق للأشخاص الفارّين من المناطق المتسعة التي دمّرتها الأعاصير. خبير استثمار في شركة جي بي مورجان وجّه لعملائه نصيحة مفادها أن في الارتفاع المحتوم لمستوى مياه البحر فرصًا عديدة للاستثمار في بناء جدار في مواجهة البحر.

اليوم، وبعد عقود من رعاية المليارديرات الليبرتاريين [المعادين لأي تدخل من الدولة] للمعلومات المضللة حول التغير المناخي ولتشكيك الحكومات فيه، فإن ثلاثة من كل خمسة أمريكيين يعتقدون أن التغير المناخي يؤثر على مجتمعاتهم المحلية. هذا الرقم يرتفع إلى الثلثين على سواحل الولايات المتحدة. حتى إدارة الرئيس دونالد ترمب اعترفت بأن التغير المناخي حقيقي، لكن كان تجاوبهم معه كان القبول البليد به. لو كانت المطالبات الشعبية تؤثر فعلًا على السياسات العامة، لكانت حكومة الولايات المتحدة قد اتخذت إجراءات حازمة قبل سنوات. لكن مصالح شركات الوقود الأحفوري محمية جيدًا، بجبال من النقود التي يتم تحويلها لجماعات الضغط ولدمى الشركات من أعضاء الحزبين الديمقراطي والجمهوري، ولنشر لمعلومات المضللة. فبالنسبة لهؤلاء، ليست بقية العالم سوى مشاعل لمحروقاتهم.