«استعادة» لكمال جعفري: خبّرنا، خبّر عن يافا

الأحد 07 أيار 2017
من فيلم استعادة

بقلم يارا سعدي  

في كتابه الغرفة المضيئة – تأمّلات في الفوتوغرافيا (Camera Lucida)، يشير رونالد بارت إلى عاملين هما «الستوديوم» studium  و«البونكتوم» punctum، والذي من شأن التفاعل بينهما خلق إثارة في الصور. استخدم بارت الكلمة اللّاتينية «الستوديوم» للدلالة على العامل الأول، والتي تعني دراسةً، لكن ليس على نحو دقيق ومباشر، بل هي أشبه بتذوّق ظاهرة ما. بالنّسبة لبارت، هذا العامل يٌفشي العادات والتقاليد الثقافيّة والتاريخيّة المعتمدة. أمّا العامل الثاني وهو «البونكتوم» ومعناه الحرفيّ الجرح أو الثقب، فقد استخدمه للدلالة على التّفصيل المفاجئ وغير المقصود من قبل المصوِّر، الذي يكسر نمطيّة العامل الأوّل. ويقترح بارت أن قوّة العامل الثاني تكمن في البروز وتغيير معنى الصورة، رغم كونه مجرد تفصيل صغير. وقد استخدم بارت هذه النظرية لتحليل الصور، لكنني، في ما يأتي، سأستدعيها للتحليل السينمائي.

في فيلمه استعادة أو استذكار (Recollection, 2015)، يصنع كمال جعفري  فيلمًا كاملًا من سبعين دقيقة، مسلّطًا فيه عدسة الكاميرا على «البونكتوم». وفي مقابلات معه، يروي الجعفري أن بداية هذا العمل كانت في ليالي شتاء بارد خلال وجوده زائرًا في جامعة هارفرد عام 2009. وقتها أتيح له استخدام قاعة السينما في الساعات المتأخرة من المساء لمشاهدة أفلام صوّرت في يافا، والعمل على مشروعه، الذي استهدف التقاط صورٍ لخلفيات الأفلام التي تظهر فيها مشاهد ليافا وبيوتها. وخلال العملية التي امتدّت ستة شهور، جذب انتباهه الأشخاص في خلفية المشاهد، أولئك الذين لم يكونوا من بين شخصيات الفيلم، ولم يكن وجودهم مقصودًا، بل كانوا مجرد عابرين في الخلفية، أو مراقبين لمواقع التصوير من نوافذ بيوتهم، هذا دفعه إلى تحويل مشروعه من «مشروع توثيقي لأماكن أحبّ إعادة زيارتها» إلى «مشروع عن هذه الأشباح»، كما يسميها، لتكون مركز وموضوع فيلمه. وهكذا تبلور مشروعه النهائي، الذي عكف فيه على تخليص «الشخصيّات اليافيّة» (نسبة إلى يافا) من خلفيّات الأفلام.

وقد شمل هذا المشروع مشاهد لملمها من خمسين فيلمًا «إسرائيليًا» وأمريكيا، جميعها أفلام تجاريّة صُوّرت في مدينة يافا خلال ستّينات وحتّى أواخر ثّمانينات القرن الماضي، أبرزها للممثّل والمخرج الأمريكيّ تشاك نوريس، إضافة إلى «كلاسيكيّات سنيمائيّة إسرائيليّة».

إلّا أنّ جعفري لا يكتفي في فيلمه بالإشارة إلى «البونكتوم» فحسب، أي إلى الشّخصيّات اليافيّة «المتسلّلة» إلى مشاهد الأفلام، بل يجعل هذه الشخصيات لبّ المشهد. وهو يحقّق ذلك من خلال اختيار مشاهد خالية من الممثّلين، أو عن طريق حذفهم تقنيًّا من هذه المشاهد. ومن ثمّ، يقوم الجعفري، من خلال تقنيّات مختلفة كرجفة الكاميرا، بنفخ حياة وحركة وإيقاع لظلال وشخصيّات اليافيّين الضّبابيّة. ولعلّ أقوى الأمثلة على ذلك حذف شخصيّة بن غوريون وزرع شُجَيْرة مكانه في أحد المشاهد النادرة الّتي يظهر فيها. كما يحذف من مشهد من فيلم آخر، الراقصين العراة، ليبقى مشهدًا مؤلمًا يكشف الدمار الذي تركه الاحتلال في عمارات يافا.

تكمن قوّة خطوة جعفري في أنه يحوّل مشاهد الأفلام الاستعماريّة إلى مواد أرشيفيّة تكشف الحياة الفلسطينية والعنف الاستعماريّ دونما حاجة إلى رواية شفويّة أو حبكة كلاسيكيّة

وبالإضافة إلى تسليط العدسة على «البونكتوم»، يكشف المخرج مشهديّة «الستوديوم»، إذ لا يكتفي بإظهار اليافيّين، بل يكسر جعفري أيضًا حدود المشهديّة “الفوق الواقعيّة” حسب تعبير جان بودريار، تلك التي تصطنعها السّيناريوهات وعمليّة الإخراج، ويتحوّل من خلالها المُصْطَنَعُ إلى واقع يصير هو المرجعيّة لذاته.

في الأفلام التي يستخدمها جعفري مصادر، تتحوّل مَشاهد يافا هذه إلى مرجعيّة، وتشيّد مخيالًا أو تصوّرًا للمُشاهد بدلًا من سياقها التاريخيّ، الجغرافيّ والثقافيّ. ومن خلال محو حدود المشهديّة، يستعيد الجعفري مشهد تفجير بناية في لقطة أكشن من أحد الأفلام ليعيّن موضعنا من جديد في صيرورة المحو المستمرّ ليافا. فمن خلال إخراج المَشاهد من جديد، يُكشف وضع يافا المتغيّر على مدار السنين والناتج من السياسات الممارسة ضدّها من هدم وتهجير في النّكبة، وتحويلها إلى غيتو في فترة الحكم العسكريّ، ومنذئذ هَدْم ما يقارب الثّلاثة آلاف بيت عربي، ومن ثمّ تعرّض المزيد منها لعمليّات الاستطباق والتّجدّد المدنيّ النّيوليبراليّ. بالتّالي، يبدو أن تفكيك مشهديّة يافا هو عبارة عن ردّ على المحاولات المستمرّة لمحو يافا الفلسطينيّة وتهويدها في الواقع وفي المخيال بذات الوقت.

إيجاد «البونكتوم» وإبرازه ومن ثمّ استخدامه لتفكيك المشهديّة، يمكّن جعفري من خلق بورتريه خاصّ لمدينة يافا، قوامه مواد أرشيفيّة من مصدر غير متوقّع. وتكمن قوّة خطوة جعفري في أنه يحوّل مشاهد الأفلام الاستعماريّة إلى مواد أرشيفيّة تكشف الحياة الفلسطينية والعنف الاستعماريّ دونما حاجة إلى رواية شفويّة أو حبكة كلاسيكيّة ترافق المشاهد. ورغم محدوديّة المواد، من انتقاء جغرافيّ وزمنيّ ليافا، فإن قوة العمل تتعاظم إثر «اختفاء» الأرشيفات الفلسطينيّة، التي يشكّل اختفاؤها جزءًا أساسيًّا من مشروع الاستعمار الاستيطانيّ الصّهيونيّ.

ما يقدّمه الجعفري في فيلم «استذكار» هو صقل رواية أصلانيّة حول المكان وأهله من خلال مواد استخلص منها الطّابع الأرشيفيّ، وغيّب منها الرّواية المُختلَقة والمشهديّة المنتقاة في آن واحد. وبذلك يكون قد نجح بنزع مكانة الرّاوي أو المخرج أو ما سمّاه إدوارد سعيد:  بـ«الحقّ في سرد الرّواية». ويبرز ذلك في نصّ خاتمة الفيلم عندما يُعَدّد المخرج المعاني الشّخصيّة من ذكريات وتجارب في الأماكن الّتي ظهرت في الفيلم. وذلك بالإضافة إلى البحث الميدانيّ الّذي أجراه حول الشّخصيّات الّتي تظهر في الفيلم، لاحقًا.

تفكيك المشهديّة من خلال «البونكتوم» ومن ثمّ تفكيك علاقة القوّة في معادلة صاحب الحقّ بسرد الرّواية، تجعل من الفيلم فعلًا سياسيًّا قويًّا، يعيد اليافاويّ إلى أزقّة يافا، ويعيد يافا إلى سياقها التاريخيّ. ولعلّ هذه القوّة حقًّا تعفي الفيلم من التّصنيفات التقليدية ما بين «فيلم» و«عمل فنيّ»، وتجعله أشبه بالحلم كما يصفه الجعفري بنفسه. إلّا أننا هنا أمام حلم أشبه بحلم اليقظة الطويل، الذي لا نعرف كيف نصحو منه. ذلك أنّ عمليّة التّهميش العنيفة في الواقع وفي الأفلام عن مدينة يافا، تركت آثارها بشكل بارز في ضبابيّة الصّورة، في مشاهد البيوت المدمّرة، في مشاهد الكورنيش «المرمّمة» المبنيّة على ركام البيوت، وأخيرًا في الحوار الوحيد في الفيلم، والذي يجريه جعفري مع طفلة فلسطينيّة في يافا تُفشي جملًا غير منطقيّة، مؤلمة ومُلخّصة «أسكن في ناحل عوز» (مستوطنة صهيونيّة تقع في النّقب بالقرب من حيّ الشّجاعيّة في غزّة، بنتها كتيبة ناحل الصّهيونيّة عام 1951).