رأي

في المقاربة الإبداعية للشرّ

الأربعاء 21 تشرين الثاني 2018
من مشاهد فيلم «السقوط».

لنتصور المشاهد السينمائية التالية: يستقبل القائد مجموعة من السيدات اللواتي تقدمن لوظيفة العمل كسكرتيرة خاصة له. يصافحهن القائد بكل أدب ويشكرهن على سرعة حضورهن في أوقات الحرب الصعبة هذه. يستدعي واحدة منهن لإجراء اختبار على الآلة الطابعة. يسحب لها الكرسي بنفسه ويطلب منها الجلوس. يربّت على كلبه بكل حنان. في مشهد آخر يخرج القائد لشكر جنوده المخلصين في الحرب. يقدمون له أطفالًا تطوعوا للدفاع عن الوطن. ينظر لهم بكل افتخار. في مشهد أخير يدرك القائد أنه على وشك الهزيمة ويقرر الانتحار. يصطف المخلصون له للوداع الأخير. يصافحهم واحدًا واحدًا وعيونهم تغرورق بالدموع. تركع أمامه زوجة إحدى وزرائه ناحبة وتقول إن العالم لا معنى له من دونه.

ثمة أحاسيس معينة قد يثيرها الوصف السابق لهذه المشاهد المجردة من هوية القائد ومكان وزمان الأحداث، لكن قبل أن نسارع إلى تحليل ماهية هذه الأحاسيس فإن الواجب أن نكشف أن هذه المشاهد مأخوذة من الفيلم الألماني «السقوط»، وأن القائد المعنيّ في الأسطر السابقة هو أدولف هتلر. هل نشعر بالاشمئزاز الآن؟ هل نكره هذه المشاهد ونتعامل معها باعتبارها محاولة خبيثة لأنسنة واحد من أكبر القادة المجرمين في العصر الحديث وأكثرهم تسببا بالدمار والخراب؟ مرحبا بنا، إذن، إلى مشكلة التصوير الفني للشرّ.

يتخذ فيلم السقوط، الذي أخرجه الألماني أوليفر هيرشبيغل عام 2004، من الأيام الأخيرة التي قضاها هتلر وقادته ورموز النازية مختبئين في ملجأ في برلين وسيلة لسرد نهاية الحرب العالمية الثانية وسقوط برلين أمام زحف الجيش السوفيتي. ومع أن هتلر هو مركز الحدث فإن الفيلم لا ينتهي بانتحاره، بل يواصل عرض تفاصيل معركة برلين والصراعات الداخلية التي جرت بين قادة النازية قبيل الاستسلام. ورغم النجاح النقدي الذي ناله الفيلم فإنه تعرض لهجوم كبير جرّاء الطريقة التي تم بها تصوير هتلر فيه. رأى البعض أن الفيلم يضع لمسات إنسانية غير مقبولة على هتلر وينزع عنه صفة التوحش التي ارتبطت به. تساءل المهاجمون للفيلم عن مشاعر ضحايا النازية حين يشاهدون فيلما كهذا. ماذا ستفيد المشاهد الحزينة لوداع هتلر لرفاقه مثلا؟ هل يطلب منا الفيلم أن نتعاطف ولو للحظات مع هذا العنصري البغيض؟

الفن الذي سيقف عند الشر باعتباره شرًا ولا يتجاوزه إلى محاولة فهمه سيتعامل بالضرورة مع شخصيات مسطحة ذات بعد واحد، وسيؤدي بالعمل إلى أن يصبح كاريكاتيرًا يهدف إلى التهويل والمبالغات

يضعنا هذا الفيلم أمام مشكلة كبيرة تثار كلما اقترب إنتاج إبداعي، سيما الرواية والفيلم، من تصوير شخصيات شريرة امتلأ تاريخها بالكراهية والعنصرية والدمار. هل ثمة خطوط حمراء على الكاتب أو المخرج مراعاتها كي يحافظ على صورة الشرّ التي تلتصق بهذه الشخصية أو تلك؟ لنفترض أن روائيًا فلسطينيًا أراد مقاربة شخصية ديفيد بين غوريون أو أرئيل شارون أو غولدا مائير في رواية. ما حجم الانتقاء الذي سيمارسه كي يقدم صورة مقنعة لهذه الشخصيات؟ ما معنى أن تكون الصورة «مقنعة» أصلًا؟

تحيلنا هذه المشكلة إلى مسائل أساسية في طبيعة السرد وبنائه حين يرسم شخصياته ويحدد معالمها داخل العمل الفني والأدبي. يسعى الروائي والمخرج في تناولهم لشخصية تاريخية ما إلى فهمها ووضعها ضمن سياقها التاريخي الذي أنتجها، وهم بالتالي يحرصون على إظهار العوامل المتعددة التي كونت هذه الشخصية، سواء أكانت عوامل نفسية أو اقتصادية أو سياسية. وفي معرض تناول الشخصيات التاريخية الهامة التي اقترفت أعمالًا بشعة كبرى فإن العمل الفني يحاول عادة أن يجيب على سؤال: لماذا؟ ما الذي قاد هذه الشخصية إلى ارتكاب ما ارتكبته من جرائم؟

هنا تقع المشكلة الأخلاقية التي يعترض عليها كثيرٌ من متلقي هذا النوع من الأعمال الفنية. الفهم، عند البعض، يصبح معادلًا لإهانة الضحايا ودمائهم التي سالت بسبب تلك الشخصية، وكأن السؤال عن «لماذا» بحد ذاته يفترض أن هذه الأعمال الشريرة تمتلك أسبابًا منطقية يجعلها مفهومة ضمن السياق الذي أنتجها، وهو بالضبط ما يرفضونه. المذابح والإبادات الجماعية، ضمن هذه النظرة، ليس لها أسباب سوى أن مرتكبيها مجموعة من الأشرار الذين لا يمكن تصورهم إلّا عبر زاوية الشر هذه. ليس ثمة «لماذا». ليس ثمة تعليل.

رغم ما قد يبدو من سمو أخلاقي لهذا النظرة إلا أنها تختزل البشر ضمن ثنائية الخير والشر التي ستقود بالضرورة إلى إنتاج أعمال فنية وأدبية ضحلة ولا معنى لها. والفن الذي سيقف عند الشر باعتباره شرًا ولا يتجاوزه إلى محاولة فهمه سيتعامل بالضرورة مع شخصيات مسطحة ذات بعد واحد، وسيؤدي بالعمل إلى أن يصبح كاريكاتيرًا يهدف إلى التهويل والمبالغات الدرامية على حساب تماسك النص وإقناعه.

إضافة إلى ذلك فإن هذه المسألة تحتم علينا أن نعيد التفكير في مفهوم الإنسان الشرير ذاته. في الفيلم المصري «البريء» يقدّم عاطف الطيب شخصية مدير السجن (الذي أدى دوره محمود عبد العزيز) وهو يتفنن في تعذيب المساجين في مشهد، ثم يقدمه وهو يحتفل بعيد ميلاد ابنته وسط أصدقائه في مشهد آخر. ينزعج البعض من تجاور نافر كهذا. كيف يكون الوحش الذي نراه يضرب ويهين في السجن هو نفسه الذي يجلب السعادة لطفلته في حفلة يظهر فيها رجلا وديعًا أنيقًا؟ هل هذا هو نفسه ذاك؟

للأسف نعم، هو نفسه، والانزعاج سببه أننا نظن الشر صفة جوهرية تحدد مسار الإنسان وتطبعه بطابعها بحيث يصبح من الصعب تخيله في سياق آخر. يذكرنا الناقد البلغاري تزفيتان تودوروف، في كتابه «الذاكرة كترياق للشر»، أننا نفضّل دومًا التفكير في مرتكبي الجرائم الكبرى باعتبارهم أشرارًا من طينة أخرى، لا ينتمون إلينا نحن البشر العاديين. تمنحنا هذه النظرة أمانًا من نوع ما، ويقينًا بأننا لا يمكن أن نكون مثلهم. ينقض تودوروف هذه الطريقة في التفكير، ويدعونا إلى وضع هؤلاء الأشرار ضمن إطار التاريخ الذي أنتجهم. وفقًا لتودروف فإن أحد أهم الفوارق الرئيسة بين البشر العاديين من جهة والسفاحين من جهة أخرى هو الحظ الجيد للفريق الأول الذي لم يجد نفسه واقعًا ضمن عوامل تاريخية أو سياسية محددة كانت ربما ستؤدي به إلى ارتكاب جرائم معينة. إن إمكانية ارتكاب الشر كامنة في كل واحد فينا، والمطلوب من البشر هو أن يقللوا من الظروف التي قد تؤدي ببعضهم إلى إظهار هذا الشر للعلن. وتودوروف هنا لا يدعونا إلى مسامحة مرتكبي الشر ولا إلى التقليل من جرائمهم، لكنه يذكرنا بضرورة الفصل بين الشر ومرتكبه. القتل شر، والذبح شر، لكن القاتل لا تختزل هويته في كونه قاتلًا. هو إنسان قبل القتل، وإنسان بعده.

يحتاج العمل الفني إذا كان عظيمًا ألا يختزل البشر ضمن ثنائيات محددة كالخير والشر

هل هذه دعوة إلى أنسنة العدو في الأعمال الأدبية والفنية؟ الحقيقة أن مصطلح «الأنسنة» ذاته مثير للجدل، لأنه يفترض أصلًا أن العدو ليس إنسانًا، وبالتالي فإن أي ظهور «عادي» له، في مشاهد يومية حميمية، سيعد نوعًا من الأنسنة. الأنسنة مصطلح فارغ برأيي، لأنه يتغاضى عن فكرة أن هذا العدو هو أولًا وأخيرًا إنسان، سواء أحببنا هذه الحقيقة أم كرهناها. وحين يظهر الأعداء في فيلم أو رواية بصورة فيها مشاعر إنسانية غير متوقعة فهذا لا يعني أنهم تأنسنوا، بل يعني أن المخرج أو الكاتب تعامل معهم كما هم، على حقيقتهم التي تشكل كامل شخصيتهم بكل تعقيدها وتنوعها.

ماذا عن الضحايا؟ ألا يشكل تقديم المجرمين في سياق عادي تقليلًا من معاناة ضحايا هؤلاء المجرمين واستخفافًا بأحزانهم؟ هذا ما عناه أولئك الذين اعترضوا على طريقة تصوير هتلر في فيلم السقوط. لا شك أن الضحية سيقهرها أن تصدق أن لدى عدوها الذي اضطهدها أبعادًا أخرى غير مرتبطة بأفعاله الشريرة: أنه يعشق ويضحك ويبكي ويحب أولاده ويستمع للموسيقى وما سواها، لأن ذلك سيجعل العدو شبيهًا بضحيته إلى حد كبير، وهو ما ترفضه الضحية. لكن العمل الفني يحتاج إذا كان عظيمًا ألا يختزل البشر ضمن ثنائيات محددة كالخير والشر. ما الحل إذن؟ قد تكمن إحدى الأجوبة في تجنب مقاربة الشخصيات الإشكالية برمتها، سيما إذا كان الذاكرة قريبة والمشاعر لم تخمد بعد. قد يكون من حق الفلسطيني مثلًا أن يرفض رؤية رموز الصهاينة وجنود الاحتلال في عمل فني يظهرهم بالعادية التي وصفناها، ليس لأن هؤلاء الجنود والقادة ليسوا بشرًا، فهم بالطبع كذلك، ولكن لأن السياق الذي يعيش فيه الفلسطيني يصعب فيه استقبال أعمال أدبية كهذه. ونحن نعلم مثلًا أن بعض المبدعين الفلسطينيين، وعلى رأسهم محمود درويش، قد قدموا صورًا مختلفة لهذا العدو في أعمال ذات قيمة فنية عليا. هنا المشكلة، وليس ثمة حل سحري لها. للمبدع كامل الحرية في اختيار موضوعات نصوصه، وللمتلقي حرية مثلها في نقد توقيت هذه النصوص واعتبارها لا تراعي السياق التاريخي الذي تعيشه القضية، والزمن وحده من سيحكم على خلود عمل، وانطفاء آخر.